فهرس الكتاب

الصفحة 449 من 495

فإذًا أولًا الجهل وهو عدم وجود الخطاب بالكلية عند المخاطَب وليس عند المخاطِب، فالمخاطِب موجود ولكن المخاطَب لم يصل إليه فهذا جهل. وإما أن يصل إلى الخطاب فيفهمه على غير مراد المخاطِب لسبب من الأسباب، أو لداعٍ من الدواعي؛ إما لعمق الخطاب وعدم وضوحه لأن خطاب الشارع لنا ليس على مرتبة واحدة كما تعلمون، وإما لوجود موانع خاصة لدى المخاطَب بأنه يفهم الألفاظ على غير جهتها، إلى غير ذلك.

إذًا نشأ لدينا لعدم تحقّق الإرادة التامة التي يُلحق بها حكم الفعل نشأ جهة العلم مانعان: مانع الجهل، ومانع التأويل.

الآن قوّة الدافع ينشأ أن المرء ربما يتكلّم بما لا يريد، وهذا يقع لأن الإنسان مركّب على هذا، كقوله - صلى الله عليه وسلم: (أخطأ من شدّة الفرح) فهو أراد فوقع منه اللفظ على غير جهته، وهذا يقع في الفعل، أنت تريد أن تقتل عصفورًا فتخطئ فتقتل إنسانًا ما معصوم الدم! أو أن تظن هذا الإنسان مباح الدم فتقتله فيتبيّن لك أنه معصوم الدم، وكذلك كما هو في الفقهيات، في العقديَّات، الأحكام واحدة لا فرق بينهما، فيظن أن هذا اللفظ جائز فيتبيّن له أنه غير جائز، أو أنه يريد أن يقول كلمة جائزة في نفسها فيخطئ لسانه إلى غير ذلك، فيُقال هذا عدم القصد. لا يُقصد عدم قصد الكفر ولكن يُقصد عدم قصد هذا اللفظ، أنه لا يقصد هذا اللفظ.

إذًا نشأ لدينا مانع من موانع الإرادة وهو عدم القصد، يمكن للمرء أن يقع منه هذا المانع.

بقي المانع الرابع وهو المُجمع عليه وهو الإكراه، وهو أن تُسلب الإرادة، يُسلب قوة الدافع؛ المرء يريد أن يطيع الله فتأتي عليه موانع تُكرهه بمفهوم الشرع لئلَّا يصدر منه فعل الطاعة بل تجبره على فعل المعصية، فهذا هو الإكراه.

فالإكراه هو مصادرة الإرادة من جهة قوّة الدافع، المرء يحب أن يرضي ربّه فلا يستطيع ويُمنع كما يُمنع من الصلاة، كمن يُجبر على كلمة الكفر لسلطان أكبر من سلطان قوّة الدافع لديه وأنه يريد طاعة الله، فيتخلّف هذا الفعل مع وجود الدافع الحقيقي في الطاعة، لوجود قوّة غالبة عليه تمنعه من تحقيق فعل طاعة الله ويُجبر على معصية الله والكفر.

كما قلت لكم لا فرق في هذه الموانع بين الفعل حين يتعلّق بمعصية أو بكفر، هذه موانع إلحاق الحكم بالفاعل مع وجود الحكم للفعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت