فإذا قامت البدعة والشر طاروا إليها بلا تفكر ولا نظر، وأمّا الحق فثقيل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أن ما من أحد دعاه وإلا وكان له توقف في الاستجابة، إلا أبو بكرٍ رضي الله عنه، فقد روى ابن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الحصين التميمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين دعوته، ولا تردد فيه) ؛ ولذلك الحق يسري رويدًا بين الناس، ثم لو قام في أول الدعوة لما علم الناس يد الله تعالى، ولما كان في ذلك حكم الابتلاء، ولما وقع الحق موافقًا للقدر الذي يلائمه من النصر وهو ما يُسمّى بـ «الظرف السُنَني» للبقاء والنمو والارتفاع.
والفرق يلاحظه المرء في طريق الأنبياء وسُنَن نصرهم وظفرهم بمرادهم، كما أنه يستطيع ملاحظته في بناء أهل البدع كيف تقوم متسارعة كالثور الأهوج ثم تبدأ بالانحسار، ولو تفكرت لرأيت أن هذا فيه ابتلاء الله للناس، لأنها بإقبالها -أي البدع- على هذا الوجه من التدفق والثَّوران فتنةٌ لأهل العلم والناس، فالعالِم لا تضره ولا تفتنه حتى وهي في أوج قوتها، وأمّا الناس فيتساءلون ويقعون في الشك، والذين يريد الله إبعادهم يسقطون.
وهذا المعنى كذلك في الحق، حيث لا يقبل عليه في الابتداء إلا أهل العلم والنظر ومن أراد الله لهم الخير فيحصل لهم السبق الذي يحقق أعظم الرضى الإلهي.
ولو طبقت هذا على واقعنا لرأيت أن طائفة الجهاد كانت دومًا تقوم على الصفوة، ولم ينضم إليها إلا من استطاع الخروج عن سطوة من سموا بالعلماء من أصحاب الاسماء الكبيرة، وتحملوا أعظم المشاق، وقدموا أعظم التضحيات، في زمن كانوا هم القلة، وفي كل فترة كان البلاء عظيمًا، وفي كل مرحلةٍ تظن أنهم قد ذهبوا وانتهوا، ولكنهم مع ذلك ينمون ويتكاثرون وينتشرون ويلحق بهم الناس.
البدعة تبدأ كبيرة يهرب الناس إليها، ويكون فيها الهوى والشهوة والشهرة والبريق الذي يخطف أعين الاطفال، لكنها بعد ذلك تبدأ بالانحسار والذهاب. ولقد تعجبت كثيرًا من انتشار الإسلام خلال الحروب الصليبية حتى دخل أوروبا، أليس هذه سمة الحق يتقدم وينمو حتى وهو مستهدف مدافع.