فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 495

الوقت هو من جعل الخطبة للخليفة العباسي دون العبيدي القابع في مصر، وكان هذا ما يفهمه الناس يومها من التفريق بين سني وفاطمي كما يقولون وهم العبيديون الزنادقة، وأنا أبين لك أمرًا مهما تعرف كيفية الحكم على الرجال والناس:

أخي الحبيب؛ أنت تعلم أن الناس إما أهل إرادة وإما أهل علم وقد يجتمع الأمران في الرجل كما كان الشأن زمن الصحابة إذ جمع الخلفاء الأمرين أي العلم والإرادة، ثم حصل الافتراق، إذ صار ناس هم أهل إرادات كالحاكم والمجاهدين وأهل الفعل والإدارة، وإما علماء يكون العلم شأنهم، يخوضون في مهماته وفروعه ودقائقه، فالواجب الحكم على الرجل فيما هو فيه من إتقان، أصاحب علم هذا أم إرادة، ولا يحكم على الرجل الذي فرغ لأمر الإرادات كالجهاد والسلطان بما يحكم على أهل العلم، والحاكم الصالح وكذلك المجاهد والوزير الصالح هو من قرب أهل العلم له، وسألهم وقربهم إليه، وجعل أقوالهم بما يقولون من فتوى حاكمة على فعله، وهذا إن نسب إلى مذهب فإنما لتقريب أهل هذا المذهب إليه لا لأنه مدقق ومن أهل النظر فيه، فنسبته إليه كنسبة العامي، وهؤلاء السلاطين من المسلمين كحال آل زنكي ثم الصلاحيين كان هذا شأنهم ويحبهم أهل السنة لتقريبهم علماء السنة والعمل بفتواهم، فهذه منقبة لا سيئة حتى لو نسب لمذهب هذا العالم الذي فيه بعض بدعة، كما هو الشأن في الانتساب لمذهب الأشعرية، ثم إنك تعلم ويعلم الكثيرون أنه من زمن صار في عرف العوام والعلماء كذلك أن مذهب الأشعري هو مذهب أهل السنة وهذا معروف في الكتب، فلما يأتي العامي ويقول أنا أشعري فإنما يعني أنه سني، بل إن هذا قول كثير من أهل العلم ينتسبون للمذهب الأشعري لأنه عندهم هو المذهب السني الذي ينجو صاحبه من البدع الضالة كالرفض والاعتزال وغير ذلك، ولذلك كان في وقت تصالح شديد ووثيق بين أهل الحديث والمنتسبين للأشعري ولعل طلبة العلم يعرفون قصة تقبيل يد الإمام الباقلاني وهو سيد الأشاعرة بل إن الحقيقة تقول أن مذهب الأشعري لا ينسب للأشعري بل للباقلاني، أقول: لقد كان الدارقطني وهو السني الأثري الجلد يقبل يد الباقلاني هذا، وذلك لعلمه مقدار دفاع هذا الإمام عن الإسلام أمام الزنادقة والباطنية.

والحق أن المنصف عليه أن يعرف محنة الوقت حتى يعمل لها ولا يبحث عن المعارك التي تبتعد عن فتنة العصر، ولقد كانت فتنة العصر في زمانهم هي الزندقة التي يحمل لواءها الإسماعيليون القرامطة، ولو تفكرت في إنتاج العلماء في هذا الزمان لرأيت أن أغلبهم كان جهاده في إثبات النبوة وإعجاز القران، وهذا كان شأن الجهاد فيه بيد المتكلمين من الأشاعرة رحمهم الله تعالى، كأمثال الإمام المجادل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت