الكافرون من المسلمين في القرآن علم أن الطلب لبعض لا لكل، كما في هذه الآية وفي قوله تعالى في سورة المائدة: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} وفي سورة الإسراء في قوله تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} ومذكور في سياق البراءة من الكافرين؛ أعني لفظ الردة كما في سورة المائدة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} .
وذكر لفظ الردة وحكمه في مثل هذه المواطن يدل على خطر التعامل معها بتلعُّب أو تهوين كما يريد البعض، فهذان الموطنان من الردة أي في موطن الولاء والثاني في موطن الاتباع والدخول في الطاعة تحذير للعاملين في دين الله ابتداءً ولعموم المسلمين كذلك، ومن ألغى النظر في سقوط الناس في الردة فيهما جاهل بحال الناس وبواقعهم ومغرر بهم، وقد يقع فيها وهو لا يدري كما هو معلوم في باب دخول الرجل في الكفر وهو لا يشعر أخذا من قوله تعالى على لسان أسلافهم {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} .
فمن رأى جهالة الناس في باب الردة والكفر وأن المبطل الغالي فيهما يستخدمهما بالشر وعدم التوفيق فذهب ينفر من حقيقتهما إلى درجة الإلغاء الواقعي، وإن زعم أنه لا يلغيهما فهو على شفى هلكة إن لم يكن حقا قد تجاوزها ووقع فيها، وهذا أمر مشاهد هذه الأيام، فإن الغلو -ولا شك- في التكفير قد سرى في البعض بجهالة وفساد نظر وقلة علم، والبعض إنما يريد أن يمنع منهما البتة حتى على من يقع فيهما بجلاء ووضوح، فمن أنكر أن العلمانية كفر، أو من أنكر على من كفّر من أجاز التحاكم لغير شريعة الرحمن فهو كافر بالله وبشرعه وبرسوله، هذا مع وجوب بيان هذا الكفر له إن كان جاهلا، فهذا دين الله تعالى سواء قاله خارجي أو مرجئ فإن الحق أحق أن يتبع بلا توقف ولا زمزمة.
أما أن ندخل في ديننا الزنادقة وأولياء الشيطان، وأن تستقذر نفوسنا لفظ التكفير والحكم بالردة فهذا ضلال يعادل ضلال من كفر المسلم وحكم بردته، كلاهما في الشر سواء، هذا مع أن باب إسلام الكافر اليوم أوسع من تكفير المسلم لكن صوت الغلاة في التكفير هو الأقوى،