الثلاثي سنة 1956 ما زالت ماثلة في الأذهان حتى لمن تبقى من القيادات الفلسطينية التاريخية، وتسبب مثل هذا الأمر وقتها بنقاشات عاصفة بين الفلسطينيين، وكان السؤال الشهير:"من يحمي الفلسطينيين إذا احتلت إسرائيل قطاع غزة وانسحبت القوات المصرية ثانية؟"هذا السؤال هو الذي أدى إلى تأسيس حركة فتح سنة 1959 ومن ثم انطلاقة الثورة الفلسطينية سنة 1965. لذا فالأولى أن يؤدي السؤال ذاته إلى الاحتفاظ بسلاح المقاومة بدلا من نزعه أو حتى التفكير بذلك تحت أية مبررات أو ظروف وهو ما تتجه الفصائل إلى العمل به. ودون ذلك سيعني إفساح المجال لميلاد سلاح جديد ليس من الصعب التكهن بفعاليته.
المحور الثالث: حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين
في واقع الأمر، فلكي نفهم خيارات حماس المستقبلية علينا التركيز على نقطتين هامتين من شأنهما المساهمة في فتح الطريق أمام الحركة مستقبلا:
1 -) فالمتابع للنشأة التاريخية لحركة حماس سنة 1987 سيدرك على الفور أنها شبيهة بالكامل بنشأة حركة فتح سنة 1965. فقد نشأت حماس أولا باسم"حركة المقاومة الإسلامية"حسبما أشار إليه البيان الأول لها في غزة يومي 11 و 12/ 12/1987، والذي وُزع في الضفة الغربية يومي 14 و 15 من الشهر نفسه، ولم يظهر اسم"حماس"إلا ابتداء من البيان الرابع الذي صدر في أوائل شهر كانون ثاني/ يناير سنة 1988، أما ميثاق الحركة فلم يظهر إلا بعد نحو ثمانية أشهر من الاجتماع الأول الذي أعلن فيه تأسيس الحركة ليلة التاسع من كانون الثاني / ديسمبر 1987.
2 -) أما الميثاق فقد عرف الحركة بأنها"حركة فلسطينية متميزة". وينسبها إلى"جناح من أجنحة الإخوان المسلمين الفلسطينيين". أما تنظيميا فليس ثمة أي تحديد إلا عبر جملة معطوفة تشير إلى أن"حركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي، وهي كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث التي تمتاز بالفهم العميق، والتصور الدقيق، والشمولية التامة لكل المفاهيم الإسلامية في شتى المجالات ...". وهي (حماس) حركة عالمية بحكم انتشار المسلمين الذين ينهجون منهجها في كل بقاع العالم ويعملون على مناصرتها وتبني مواقفها وتعزيز جهادها" [1] ."
وفي ضوء النشأة التاريخية وحيثياتها، من الواضح أن حماس لم تكن حركة إخوان مسلمين خالصة مائة بالمائة، على الأقل على المستوى الأيديولوجي. فهي:
-ظهرت على وقع خلافات تنظيمية وأيديولوجية بين الجماعة لجهة إخوان غزة وإخوان الضفة.
-كما أن الجهة المؤمنة بضرورة إعلان الجهاد وخوض المنازلة هي التي فازت بهذا الخلاف وهي بالتحديد فرع الجماعة في غزة. وبالتالي نحن نتحدث عن انقلاب أيديولوجي داخلي وليس عن عملية
(1) ميثاق حركة المقاومة الإسلامية"حماس"- مصدر سابق - المادتين 76.