المصالح المشتركة بين الثورة والدولة الوطنية على طرفي نقيض مقابل تماسك المصالح مع المركز وطغيانها على أية مصالح أخرى خاصة في اللحظات الحاسمة، وبهذا التوصيف يمكن أن نفهم السهولة التي تم بها احتواء الحركة الوطنية الفلسطينية من جهة والحركة الوطنية العربية من جهة ثانية وتحويل كلا الحركتين إلى انعكاسات لمصالح أجنبية. بمعنى أن الغرب ذاته له مصلحة بوجود حركات وطنية محلية مثلما كانت له نفس المصلحة بوجودها إبان الفترة الاستعمارية، وبالتالي فليس الموجود من هذه الحركات، إلى يومنا هذا، إلا نوعا من التماثل مع الاحتياجات الأمنية للغرب بقطع النظر عن مضمون الحركات ذاتها أو أهدافها أو منطلقاتها أو أيديولوجياتها أو تطلعاتها أو حتى تضحياتها.
في هذا السياق، ولأن الدولة العربية هي أشبه ما تكون بدولة وظيفية، فقد دافع البعض عما يراه وجهتي نظر في الوطن العربي إحداهما، هي مدرسة التسوية التي تعتقد، وهي تستعمل لغة العجز،: أن السلام مع إسرائيل أعاد للعرب أكثر من ثلثي الأراضي المحتلة بينما تقول الأخرى، وهي تستعمل لغة الأيديولوجيا،: أن إسرائيل تماطل ولا تريد السلام وتترك للزمان فرصة للحكم على اختياراتها. وواقع الأمر أن المدرستين فشلتا في تحقيق أي إنجاز خارج الرؤية الغربية أو الإسرائيلية. فمصر التي استعادت سيناء ضمن قيود مشددة إنما دفعت الثمن من الأراضي الفلسطينية حصرا، زيادة على منح إسرائيل الشرعية التامة والحق في الوجود على الغالبية العظمى من مساحة فلسطين، وهي أرض ليست ملكا لمصر كي تبادلها بسيناء. كما أنها استعادتها (سيناء) مقابل شلل تام في سياساتها الخارجية والدفاعية تجاه أقرانها العرب والفلسطينيين الذين باتت ظهورهم مكشوفة لكل التدخلات الغربية والإسرائيلية. بل أن مصر ذاتها واقعة تحت التبعية الكاملة والتهديد اليومي لدرجة أن السد العالي الذي تتباهى به مصر بات عبئا عليها أمام التهديدات الإسرائيلية بتدميره إذا ما حاولت مصر خوض حرب ضد إسرائيل. فعن أي مدرسة يتحدث هؤلاء؟ هل يتحدثون حقا عن مدرسة المصالحة مع الغرب؟ وعلى أي أساس؟
رابعا: الغرب واليهود من الجريمة إلى النفاق
في أوائل القرن العشرين اقتطعت بريطانيا، بمساندة الغرب، فلسطين من قلب الوطن العربي والعالم الإسلامي مساحة وسكانا ومنحتها لليهود بحجة العودة إلى أرض الميعاد. ولأن المجال لا يتسع لمناقشة هذه المسألة؛ لنقُل أن العالم أجمع يعلم أن ما قامت به الدول الكبرى هو سرقة غير مسبوقة لوطن من بين أيدي أصحابه وطردهم إلى خارج البلاد. ولم يشهد التاريخ الإنساني، ولن يشهد، مثيلا لهذا النوع من الجرائم بحق الإنسانية، ولم يشهد على وجود قوم ادعوا في لحظة من الزمن أنهم كانوا يعيشون في مكان محدد قبل آلاف السنين وأنهم الآن بصدد العودة إليه، ولو صح هذا بالنسبة لليهود في فلسطين، وهو ليس صحيحا، لكان حقا على سكان فلسطين والعالم أجمع معاقبة هؤلاء الأدعياء الذين فرطوا بوطنهم كل هذه المدة من الزمن وليس تكريمهم.
لا ريب أن الغرب يدرك الجريمة التي ارتكبها، ويدرك أن المحرقة (الهولوكوست) هي زعم أكثر منه حقيقة، ولعل ما يُعرَف بالمؤرخين الجدد كانوا أول من يدفع الثمن حين أثبتوا أن المحرقة مسألة مبالغ بها وأن التحليلات والتحقيقات الجديدة تثبت صحة آرائهم. وتدرك إسرائيل واليهودية العالمية أن أسطورة الهولوكوست آخذة في التآكل وأن تدارك الأمر يستدعي بذل الجهود للحيلولة دون ذلك. وتأسيسا على هذا استُدعي النظام الدولي ليبرئ إسرائيل من العنصرية