فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 634

كاختصاص بنيوي لا يضيرها أن تستعمله حتى ضد سكانها فتميز بين الأبيض والأسود وبين اليهود الأشكناز (الغربيين) واليهود السفارديم (الشرقيين) ، بل أن القوانين المحلية باتت بالمرصاد لكل فرد أوروبي أو أمريكي يشكك بالأسطورة أو ينكرها أو لمجرد أنه ينتقد معطيات إثباتها، ودون ذلك فهو معادي للسامية. وأخيرا كانت الأمم المتحدة ميدان الدفاع عن الأسطورة. فماذا بقي من خطوط دفاعية لم تستعملها إسرائيل بعد أن بلغ التشكيك مداه؟

رغم معرفة العالم بأن إسرائيل هي الأخطر على السلام العالمي بشهادة الشعوب الأوروبية إلا أنه لم ينصف الفلسطينيين يوما ولم يمنع قتلهم ولا تشريدهم ولا قهرهم ولا إذلالهم، وبدلا من ذلك اتجه إلى قهر أشقائهم العرب في كل مكان وصولا إلى قهر الإسلام ذاته عقيدة وعبادة وتربية وسلوك وحتى نمط حياة. والأسوأ أن الغرب ينتقل من الجريمة إلى النفاق وبالعكس دون أن يرتد له طرف. ولعل المحاضرة التي ألقاها اللورد جورج كيري رئيس أساقفة الكنيسة الإنجليكانية (كانتربري) في جامعة جريجوريان في شهر تموز / يوليو 2004 هي خير مثال على ما نقول. فقد احتوت المحاضرة على سيل من اللغط والإهانة للإسلام وللمسلمين ولعقيدتهم، وهو حقيقة ليس لغطا بقدر ما هو خبث غربي في قلب الحقائق وتحويرها خدمة لسياساته الاستعلائية وأغراضه العنصرية وهو يعلم ذلك علم اليقين. فقد ورد في المحاضرة أن نقطة التحول الأولى في تاريخ العالم الإسلامي والتي قلبت تفكيره باتجاه ما يسميه المحاضر بالتطرف الديني وتبني الإرهاب والدخول في عداوات مع شتى عقائد العالم كانت في أعقاب سنة 1967، ويقول كيري حرفيا:"اعتبر الكثيرون سنة 1967 نقطة تحول في عقول الكثرة من المسلمين, ففي هذه السنة قامت البلاد العربية (سوريا ومصر والأردن) بهجوم مفاجئ ضد إسرائيل, وكانت النتيجة هزيمة موجعة (للعرب) حيث ضاعت منهم مساحات كبيرة من الأراضي في سيناء وغزة والجولان"!

هذا القلب للحقائق هو أصيل في الفهم الغربي لكيفية التعاطي مع الآخر. ومثل هذه المغالطة تشبه فهم الغرب لمفهوم السامية الذي يستعمل سيفا مسلطا على كل من ينبس، ظاهرا أو باطنا، بأي نقد لإسرائيل وللحركة الصهيونية وغطرستهما وكذبهما وتزويرهما للحقائق. فالغرب لا يريد لهذا المفهوم أن يعبر إلا عن محتوى واحد، وهو أن السامية مفهوم عرقي يعني اليهود حصرا وليس أحدا غيرهم. هذا المحتوى يروجه مفكرو الغرب وعلماؤه ومؤرخوه من أنثروبولوجيين وإثنيين وهم يعلمون علم اليقين أنه واحدة من أقرف الأكاذيب والتزوير الصهيوني التي يروجها اليهود في عصرنا الراهن، وهو كذبة لا تفوقها حتى كذبة الهولوكست. فالسلالة السامية الأكثر نقاء في أصول الأجناس والأعراق هي السلالة العربية وليس اليهودية التي ضمت حتى الآن ما يزيد على اثنين وتسعين قومية من شتى بقاع الأرض، فضلا عن أن أحدا لم يعترف باليهودية كقومية مستقلة على أساس الدين. ولكن ما دور الإسلام السياسي في مواجهة هذا النفاق؟

خامسا: الإسلام الوطني والإسلام العالمي

منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي بدأت الحركات الإسلامية في فلسطين تعد العدة لانطلاقتها على أسس عقدية وليس أسس وطنية، ومثل هذا الإعداد شمل حتى دول مجاورة وخاصة مصر غير أن التجربة فشلت لثلاثة أسباب (1) أنها اتسمت بالعجلة كحال الحركات الوطنية الأخرى (2) وبسبب دخول الإخوان المسلمين على خط المقاومة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت