ومع أن هذا التيار ليس الوحيد الذي يقاتل الأثيوبيين لكنه الأهم والأكثر شراسة من بين القوى التي انفصلت عن المحاكم بعد انهيارها بحجة انحراف قيادتها وفي مقدمتهم رئيس المحاكم شيخ شريف أحمد. وتقول بعض المصادر أن عدد مقاتليه يتراوح بين 3000 إلى 12 أو 14 ألف مقاتل، وبالتأكيد يصعب الثقة بالأرقام المطروحة لكن في الحدود الدنيا (3000) يبدو الرقم شديد التماسك إذا أخذنا بعين الاعتبار أن مصادر صومالية قدرت عدد المحاكم بنحو ثلاثين ألفا بمن فيهم مقاتلي القبائل الذين انسحبوا من واجهة الأحداث باتجاه قبائلهم. كما أن الرقم مرشح للتصاعد كلما حظيت الحركة بمصداقية اجتماعية أو شهدت استقطابا أيديولوجيا من قبل المجتمع أو من قبل الجماعات والحركات الأخرى. هذا مع العلم أن آدم حاشي عيرو الذي قتل بغارة أمريكية كان تقريبا الرجل الأقوى في المحاكم خاصة وأنه كان يتولى قيادة قواتها العسكرية.
المهم في الأمر أن الانهيار السريع للمحاكم نجم عنه تمايز سريع في صفوف المجاهدين لجهة الموقف من أية عملية سياسية قد تدفع بها القوى الدولية أو الإقليمية أو المحلية إلى الظهور. وعمليا فقد انحازت بقايا المحاكم بقيادة شيخ شريف أحمد إلى حل سلمي واندرجت فيما عرف بتحالف أسمرا مع القوى الوطنية الأخرى بعيدا عن أية قيود شرعية. بل أن المفاوضات الجارية بين تحالف أسمرا وحكومة الرئيس عبد الله يوسف لا تتعلق البتة بتقاسم السلطة بل بالتنازل عنها خاصة وأن السلطة الحليفة للاحتلال الأثيوبي ترى في الحقائب الوزارية ومنصب الرئاسة والبرلمان خارج المفاوضات! فعلامَ تجري المصالحة إذا كانت مقاليد السلطة بيد الرئاسة؟ وبين من تجري المصالحة إذا كان محظورا على المحاكم تولي منصب الرئاسة أو الوزارة؟ بل أن السؤال الأهم يغدو: ما هو الهدف من المصالحة؟ ولماذا لم تقع قبل انهيار المحاكم خاصة وأن النتيجة كانت مرشحة لِأنْ تكون في صالح المحاكم أكثر مما هي في صالحها الآن حيث تبدو أضعف الحلقات فيها؟
يبدو أن حركة الشباب المجاهدين قرأت الواقع جيدا، فأعلنت رفضها الحوار مع الحكومة، ولا شك أن للرفض أسبابه، خاصة وأن الحركة:"شعرت بأن الهدف من إنشاء التحالف هو التآمر على الحركات التي تناضل ضد الاحتلال الإثيوبي للصومال، وأن مسئولين في التحالف يرفضون المقاومة ضد المحتلين". أما القيادة العامة للحركة فذهبت أبعد من ذلك حين أصدرت بيانا بعنوان:"إرهابنا محمود - السبت 28 ربيع الأول 1429 هـ"، ردا على وضع الحركة على قائمة الإرهاب من قبل الأمريكيين، واتهمت فيه قيادات سياسية بـ:"تمييع الجهاد"من"الذين يريدون الجمع بين الجهاد وإرضاء أمريكا"، وفي أحد بنوده خاطب البيان المجاهدين في الصومال بلغة تحذيرية: (أيها الإخوة المجاهدون إنكم تبذلون دماءكم لإرضاء الله لا لإرضاء فلان أو علاّن، وإن الصليب لن يدعكم تجاهدون وتحتكمون إلى شرع الله، وإن أي محاولة من قيادتكم السياسية بالبحث عن رضا هؤلاء الكفار أو الحصول على اعتراف منهم لهو كالمستجير من الرمضاء بالنار، وأخوف ما نخاف أن يكون الأمر كالمثل القائل:"أكلت يوم أكل الثور الأبيض") .
خفايا خطاب الليبي
لا شك أن انهيار المحاكم وصعود نجم حركة الشباب المجاهدين قدم للقاعدة خدمة جليلة في ضوء التمايز الذي وقع بين الصفوف، ولا شك أن فعاليات الحركة العنيفة جدا في الصومال تغري بالاعتقاد أنها قاب قوسين أو أدنى من إعلان إمارة إسلامية بين الحين والحين، وهو الوقت الملائم للظهور خاصة وأن التدخل الدولي والإقليمي