الحرب كانت أعسر امتحان للقاعدة لدرجة أن خطاب الظواهري الذي كان من المفترض أن يكون أشد وضوحا شابه الغموض قليلا بفعل الحذر الشديد الذي ميزه، مما سمح بالالتفاف على الخطاب والإمعان في تأويله ليتوافق مع الهوى.
ولعل القاعدة أحست أنها فعلا في مأزق، وبهذه الوضعية تكون كمن وقع بين مطرقة الأنصار وسندان العدوان الأمريكي الصهيوني على لبنان. فلا هي قادرة على كبح جماح العاطفة المضادة للشيعة لدى التيار والتي أفلتت من عقالها، ولا هي قادرة على تجاوز مواقف الأنصار المندفعة في العداء بلا هوادة.
لا شك أن الموقف العقدي من الشيعة لا جدال فيه مثلما لا جدال في تاريخهم السيء الصيت ولا في حاضرهم الوحشي والبغيض في العراق تحديدا، ولكن إذا كان من المفترض على القاعدة أن تعلم، وهي كذلك على كل حال، أن الصدام مع الشيعة في العراق أو لبنان أو السعودية أو باكستان أو أفغانستان قد يقع بين الفينة والأخرى مثلما قد يقع، وهو واقع فعلا، مع أطراف سنية، فمن الأولى بها أن تحتفظ بأولويات انطلاقتها كجبهة عالمية لمقاتلة اليهود والنصارى إذا أرادت أن تفلت من الفتن الداخلية وتوجه طاقاتها نحو الأهداف التي سعت لتحقيقها.
أما الإشكال الثاني الذي وقعت فيه القاعدة فهو مسألة التكفير. ونقول بصريح العبارة أن المشكلة لا تقع في مستوى القيادة السياسية للقاعدة بقدر ما تقع غالبا في القيادات الميدانية وفي مستوى الأنصار من تلامذة العلم وشيوخهم الذين لا يضيرهم تكفير من اختلف معهم في الرأي ولو على أقل الموجبات وأدناها.
ثمة مشكلة أخرى يبدو أن القاعدة تعاني منها وهي المشكلة التنظيمية. فقد تعرضت القاعدة في مستوى الكوادر والقيادات إلى ما يشبه الانقراض قتلا أو اعتقالا لدرجة أنها عولت كثيرا على أبو مصعب الزرقاوي كقائد ميداني للأمة، وفي هذا السياق يأتي شريط الظواهري الشهير إبان الحرب على لبنان حينما رأيناه يفتح النار على الجماعة الإسلامية التي حاولت اللعب في ملعبه فرد الصاع صاعين وفي عز الحرب مقدما أحد قادتها المغمورين إلى الأمة، وكذا الأمر فيما يتعلق بشريط عزام الأمريكي، وكأن القاعدة تبحث عن قيادات جديدة للأمة.
هذه مشاكل كبيرة تواجهها القاعدة. فليس من المعقول أن يجاهر تنظيم إسلامي عالمي هو الأول من نوعه بالقول أن تطلعاته وطموحاته تبلغ مصالح كل الأمة الإسلامية ويزيد عليها مصالح المستضعفين في العالم ويحدد له عدوا مركزيا يرى فيه سببا وجيها للظلم الواقع على البشرية ويتجند لمواجهته كأولوية لا تتجاوزها أية عقبات ثم يستأثر بعض أنصاره بأولوياتهم بحيث تغدو طائفية حينا وتكفيرية حينا آخر. ومع ذلك فمن اللافت للانتباه حقا أن تشتعل كل الجبهات التي تتواجد بها القاعدة بطريقة باتت تستعص على الكسر كما يصرح بذلك وزير الدفاع الكندي. فشهر العمليات التي نفذتها المقاومة الإسلامية ومنها القاعدة في العراق خلال الحرب على لبنان كانت الأشد وقعا على القوات الأمريكية منذ احتلال البلد، وبات المراقبون يرصدون باهتمام الشرائط الصوتية التي غدا أبو حمزة المهاجر يبثها تباعا من العراق متوعدا ومحذرا من عمليات انتقامية ضد القوات الأمريكية ردا على جرائمهم ضد المدنيين وثأرا لأبي مصعب الزرقاوي. ولو تابعنا المشكلة في أفغانستان فيبدو أن قوات التحالف هناك في ورطة حقيقية، حيث لم تعد الهجمات التي تنفذها طالبان والقاعدة مجرد مجموعات صغيرة تضرب هذه الدورية أو تلك بقدر ما باتت هجمات