في السعي إلى توقيع الاتفاق كمقدمة لاستعادة عمقها الاستراتيجي، وهذا يعني أنها أعادت النظر فعلا في سياسات الرئيس.
ولدى معاينة تصريحات الجانبين سيتبين لنا أن الجانبين (طالبان والحكومة) حَرِصا على توقيع الاتفاق وإنجاحه بكل الجدية اللازمة. فمن جهتها قال مسؤول حكومي أن باكستان أبلغت الولايات المتحدة بأنه ما من حل آخر لدائرة العنف التي تعصف بالبلاد إلا بهذه الطريقة، لكنه كان أكثر وضوحا حين أعلن عن سياسة باكستان الجديدة بالقول بأن العصر الأمريكي في البلاد قد انتهى، فـ:"تلك الأمور تغيرت .. فالسيناريو القائم اختلف تمامًا عن ذي قبل ... حين ... كان هناك رجل واحد تتعامل معه واشنطن ... وسيكون من الصعب أن تفعل ما كانت تفعله في السنوات القليلة الماضية"حيث توجد اليوم حكومة ديمقراطية، أما عن الرئيس فالجميع في باكستان فضل إبعاده عن العملية لأنه:"مثار الخلاف ... ولو كان ضمن العملية لما كان المسلحون ليقبلوا التوقيع على الاتفاق".
وعلى الجانب الآخر من الأهمية بمكان ملاحظة تصريحات مسحود وهو يؤكد على أن:"القتال بين طالبان وباكستان يضر بالإسلام وباكستان. يجب أن ينتهي هذا القتال فورا". ورغم أن الاتفاق المكون من 15 بندا ظل طي الكتمان إلا أنه يميل فيما رشح عنه لصالح طالبان من حيث قدرتها على تحقيق أربعة مطالب قدمتها للحكومة هي: (1) انسحاب الجيش من منطقة وزيرستان الجنوبية القبلية ووادي سوات مقابل إنهاء نشاط المقاتلين و (2) تبادل السجناء بما في ذلك الجنود والسفير المختطف و (3) تعويض الأشخاص المنكوبين في المنطقة و (4) حرية الحركة لنشطاء طالبان.
هكذا تبدو الحكومة والجيش، الذي حظي الاتفاق بتأييده، راغبين، ليس فقط في تجنب الصدام مع طالبان والقبائل، بل وساعيين إلى التحالف معهم خاصة وأن مضمون الاتفاق: (1) لم يشر من قريب أو من بعيد إلى حظر العمل العسكري ضد الأمريكيين في أفغانستان! بل أن تصريحات محسود تؤكد أن:"الإسلام لا يعترف بالحدود، وأن الجهاد في أفغانستان سيستمر"، كما أنه ليس صحيحا، بحسب عضو بارز في حزب"عوامي"المشارك في الحكومة، أن الاتفاق (2) "قد تم على عجل"، وعلى العكس من ذلك فـ:"المسودة المقترحة هي نتيجة مفاوضات طويلة واتصالات خلفية مع القبليين"، بمعنى أن الاتفاق تم تدارسه بروية وبنظرة مستقبلية وليس لتحقيق احتياجات طارئة. بل أن: (3) "مسودة الاتفاق ضمت تأكيدات بأنها لن يتم إلغاؤها مهما كانت الضغوط الداخلية والخارجية"، والأهم على الإطلاق هو ما جرى تسريبه دون أن تتوقف عنده وسائل الإعلام كثيرا ويتعلق بـ: (4) حق طالبان ومشايخ القبائل بتطبيق الشريعة في المناطق المشمولة بالاتفاق. وهذا يفسر إلى حد كبير المنشورات التي وزعتها طالبان في عدة مناطق وهي تهدد بأن من يخرق:"أمر الكف عن الهجمات سيشنق في مكان عام، ولن تقبل أعذار، وهذا أمر قاطع".
لو قارنا الوضع بما يجري في العراق لتبين لنا أن القوى الحكومية والجهادية في بلاد الأفغان باتت أقرب إلى بعضها من ذي قبل بمراحل كبيرة جدا بعكس الحالة في العراق حيث يتعرض المشروع الجهادي فيها إلى ما يشبه الحصار الخانق. ولهذا تبدو الساحة الأفغانية أسهل وأنشط عسكريا وسياسيا وأكثر أمانا، ولعلها من المفارقات التاريخية الكبرى أن تنقلب الصورة فتتحول باكستان إلى عمق استراتيجي للقاعدة وطالبان الأفغانية فيما ضيعت سياسة مشرف أفغانستان كعمق استراتيجي حقيقي لباكستان. وعلى كل حال فالواقع يقول أن كل طرف يسعى