الطريف ليس، فقط، في الغضب الذي اجتاح الشبكات الجهادية وإعلان انسحاب العديد من العناصر التابعة للجيش منه وتراجع أنصاره بل في كم المقالات النوعية التي تحدثت هذه المرة عما أسمته بـ"بفضائح الجيش"في مناطق الصدام. فما أغفله تصريح الناطق الإعلامي عبر عنه العديد من الكتاب وهم يشيرون إلى ضلوع الجيش في تشكيل مجالس صحوة وقوى شرطية في كثير من المناطق ليست المذكورة منها إلا عينات، بما فيها منطقة الشاخات التي تعتبر جزء من مناطق الصحوات، الأمر الذي، على ما يبدو، أثار حفيظة الدولة من هكذا ممارسات باعتبارها أكبر المتضررين. أما روايات شهود العيان فتذهب أبعد من ذلك وهي تشير بالأسماء إلى بعض المتورطين وتنشر صورا لاجتماعات بعضهم مع الضباط الأمريكيين مذكرة بأن ما يجري هو ترجمة لتصريح د. إبراهيم الشمري على قناة الجزيرة في برنامج بلا حدود من أن تشكيل مجالس الصحوة جاء ردا على ما أسماه"أخطاء القاعدة". ولو افترضنا أن هؤلاء، من الكتاب والمعلقين وشهود العيان، الغاضبين على قيادة الجيش الإسلامي جميعهم من خصوم الجيش واعتبرنا شهاداتهم خالية من أية مصداقية فلن يغير هذا الأمر من كون الخلاف بين الجانبين هو سياسي في مستوى أول وربما عقدي في الصميم وإلا ما كانت هناك حاجة لصدامات دامية بين الجانبين.
لكن إذا كان من السهل الطعن بروايات الغاضبين باعتبارهم"مجاهيل"على حد زعم الكثيرين؛ فكيف لنا أن نفسر تصريحات الناطق الرسمي باسم جبهة الجهاد والتغيير الأستاذ ناصر الدين الحسني، لوكالة حق والتي صدرت في ذات اليوم الذي صدر فيه تصريح د. النعيمي (2/ 11/2007) وبالتزامن مع وقوع الصدامات، وهو يعتبر أن:"ظاهرة مجالس الإنقاذ أو ما يسمى بالصحوات هي مشروع أمريكي من أجل ضرب المقاومة العراقية بحجة تصفية (القاعدة) ، وهي دليل فشل الاحتلال ..."؟ فهل استفاق الحسني فجأة على حقيقة مجالس الصحوة ليفضحها وهي التي طالبت، جهارا نهارا، بمليارات الدولارات الأمريكية لقاء حربها على القاعدة؟ أم أنها رسالة يريد، من خلالها، أن يبرئ جبهته من خلفيات الأحداث الجارية وحقيقتها ويذكِّر، في نفس الوقت، بأن التحالف مع الصحوات وتبرير أعمالها لن ينجيها من كونها مشروع أمريكي على النقيض من المشروع الجهادي؟
والأطرف أن سيناريو الأداء الإعلامي لقيادة الجيش الدائر حاليا في مناطق سامراء وبغداد وغيرهما أسوأ من ذاك الذي ظهر في خضم اشتباكات العامرية، لكن هذه المرة في إطار"المجلس السياسي للمقاومة"أكثر مما هو في إطار"جبهة الجهاد والإصلاح"، وهو ما يطرح سؤالا كبيرا: هل ما تقوم به قيادة الجيش مجرد أخطاء سياسية وإعلامية؟ أم ثوابت تسعى إلى تحقيقها؟ لنتتبع الأمر من جوانب أخرى فقد نصل إلى تصور ما.
-علاقته بأنصار السنة
لعل مشكلة الجيش الإسلامي تكمن في التضارب الحاصل بين ما يعلن عنه وما يلتزم به، أو بلغة الجماعات الجهادية بين القول والعمل. والحقيقة أن مشكلة أنصار السنة مع الجيش لم تعد طي الكتمان منذ الإعلان عن تشكيل جبهة الجهاد والإصلاح خاصة فيما يتعلق بمحاولات الوحدة بينهما أو بينه والجماعات الجهادية الأخرى، وهو سعي طبيعي ومحمود بين جماعات من المفترض أن فلسفتها تتقارب من بعضها. غير أن المشكلة واقعة كلما بدأت مفاوضات بين الجماعتين على التوحد. ومن المعروف أن أنصار السنة جماعة سلفية جهادية في الصميم، فإذا كان الجيش بوارد التوحد معها فعلا فمن المؤكد أن تحظى مسألة تحديد المفاهيم والتصورات والسياسة الشرعية بنصيب