الأسد من الاهتمام باعتبارها الفيصل في تحقيق أي تقدم، إلا أن المشروع فشل بالرغم من الاتفاق بصعوبة على الجانب الإداري ذاك المتعلق بوضع هيكلية إدارية للعمل أثناء تطبيق المنهج الشرعي. إذ ثبت أن الجماعات الجهادية ظلت مختلفة على مسائل عدة مثل: (1) الدخول في العملية السياسية إذا اقتضى الأمر أو (2) في سلك الجيش والشرطة بحجة توفير الحماية لأهل السنة في مناطقهم أو (3) تعيين بعض الأفراد من أجل حماية أنابيب النفط والطاقة الكهربائية لتمويل العمل الجهادي أو حتى (4) بعض السياسات التي تخص الخارجية والإعلام، وهي مسائل من شأنها أن تنسف أي اتفاق مع أية جماعة سلفية بما أنها تتناقض مع السياسة الشرعية، فماذا يبقى من السياسة الشرعية إذا ما أقدم الجيش، مثلا، على حماية أنابيب النفط وخطوط الكهرباء] وهو الأمر الذي اتهم به الجيش واضطر د. إبراهيم الشمري إلى نفيه في لقائه مع الجزيرة عبر برنامج بلا حدود [؟ أو إذا استعمل مصطلح المقاومة إعلاميا كبديل عن مصطلح الجهاد وهو ما تضمنه بيان المجلس الجديد كتابيا هذه المرة؟ أو إذا أفتى سياسيا أو شرعيا بالاستفتاء على الدستور بـ (لا) أو (كلا) فإذا بالناس يقولون (نعم) ؟ وما الذي سيحول حينها بين قيادة الجيش والدخول في العملية السياسية بحيث يكونوا أشبه بجبهة التوافق فيشاركون، سرا أو علانية، في لجان الانتخابات والاستفتاء ويرشحون هذا ويزكون ذاك؟ فهل من المنطقي أن تتم الدعوة إلى وحدة بين متناقضين؟ وهل يمكن الحديث بعدْ عن ثقة بين الجانبين حتى يمكن القول باستمرار الأمل في توحد الجماعتين؟
في الحقيقة تصعب الإجابة على المراقب وهو يبحث عن تفسير لسياسة الجيش تجاه أنصار السنة على الأقل، لكن بحسب الأحداث اللاحقة وما تمخض عنها من مصادمات مع دولة العراق الإسلامية وتحالفات غير مفهومة وتصريحات متناقضة بدا أن الجيش أقرب إلى الرغبة في اختراق جدار السلفية الجهادية من رغبته في التوحد معها أو مع إحدى مكوناتها عبر جماعة عريقة ومحلية المنشأ كي تكون ندا للقاعدة ومن بعدها دولة العراق الإسلامية، إذ لو نجح في مسعاه لأمكن مواجهة القاعدة بيسر بما أنه سيكون محصنا بمشروعية اجتماعية من جانب وبمشروعية عقدية من جانب آخر، وبهذه الطريقة سيكسر ما يراه احتكارا لهيمنة الدولة على التيار السلفي الجهادي وتقاسم الشرعية معه، أما أنه وقد فشل حتى الآن فلأنه تعجل الأمر، ولأن سعيه بدا مستحيلا على جماعة تقف في أطروحاتها على النقيض من أطروحاته ناهيك عن عدم الثقة بخلفية مؤسسيه كبعثيين علمانيين إن صحت اكتشافات الزميل ميسر الشمري.
ومع ذلك فلم تعدم قيادة الجيش الحيلة. وهذه المرة كان الطعم قد ألقي إليها عبر سجن بوكا. فبالنسبة لوزير الدفاع الأمريكي الجديد روبرت غيتس، فمن غير الممكن تخفيض درجة العنف تمهيدا لاحتوائه والقضاء عليه ما لم يتم استرضاء أهل السنة، أما الوسيلة الأنجع في إغرائهم، ولكن بإشراف أمريكي، فهي التحول من إطلاق يد الشيعة إلى إطلاق يد السنة وإدخالهم في العملية السياسية وكذا الإفراج عمن يرتضون الإفراج عنه كي ينقل رسائلهم ويهدئ من غضب أهل السنة. وغني عن القول أن القوات الأمريكية تعتقل عددا من قادة المجاهدين بينهم أمراء، لكن الاختيار الأمريكي وقع على شخصيتين من أنصار السنة هما أبو وائل وأبو سجاد اللذان يبدو أن التفاوض معهما على البرنامج السياسي الأمريكي قد أثمر بما يكفي لإطلاق سراحهما.
بالتأكيد فإن أبا عبد الله الشافعي أمير الأنصار اطلع على فحوى الرسائل التي نقلها الاثنان إليه، وبعد مرور قرابة أربعة أشهر على واقعة الإفراج عنهما، لا يهم أكثر قليلا أو أقل، فمن المؤكد أيضا أن الشافعي رفض أطروحاتهما