بيكو ولا للمرحلية ولا للمجاملات ناهيك عن التفاوض مع قوى الاحتلال، فدولة العراق الإسلامية، مثلا، يريد قادتها ومؤسسوها أن تكون نواة خلافة وليس دولة إسلامية مستقلة خاصة بالعراق. أما التيارات الأخرى فهي مجاميع جهادية تسترشد بالسلف والشريعة في جهادها ولكن لها اجتهاداتها فيما يتعلق بعالمية الجهاد وخروجه من الحدود الكائن فيها حاليا. أما أوضح هذه المجاميع فهي حماس العراق وجامع اللتان تستمدان رؤيتهما لواقع العراق ومستقبله من رؤية الإخوان المسلمين ذات النزعة الوطنية الأقرب إلى التوافق مع السلطة القائمة أيا كانت خلفياتها ومصادرها الشرعية والسياسية. لكن بقية التيارات لعلها أقرب إلى الوطنية أو دولة إسلامية في العراق دون أن يؤدي ذلك إلى سقوطها في العملية السياسية الجارية في ظل الاحتلال مثل جبهة الجهاد والتغيير وجبهة الإصلاح.
مع ذلك ظل الجيش الإسلامي أكثر الجماعات الإسلامية إثارة للجدل فيما يتعلق بتحالفاته الفجائية أو بتحركاته السياسية أو بتناقض مواقفه وغرابة الكثير منها، فمن الصعب على المراقب أن يلحظ له ثباتا على موقف شرعي أو سياسي رغم اندفاعته الجهادية الكبيرة خاصة عبر قناص بغداد (جوبا) . فمن المفترض أن الجيش جماعة جهادية ذات منهج سلفي صارم، ومن المفترض أن ما يجمع بينه وبين السلفية الجهادية أكثر مما يجمع بينه وبين جبهة الجهاد والتغيير، فكيف به وبجبهة الإصلاح أن تجتمع فجأة، وبدون مقدمات، مع حماس العراق وجامع اللتان من المفترض أنهما على النقيض منه؟ هذا التناقض العجيب في تحالفات الجيش هو ما جعل السلفية الجهادية تصب جام غضبها على قيادة الجيش الإسلامي أكثر حتى من قيادة جيش المجاهدين. أما لماذا؟
فلأن تاريخ الجيش وفعالياته الجهادية ومنهجه وتربية جنوده وأمرائه تؤكد على استحالة توقع تحالف من هذا النوع خاصة وأن اتهامات كثيرة وعلنية وشبهات تحوم حوله لم تبرأ منها حماس ولا الحزب الإسلامي بعد إن لم تكن قد ارتقت إلى مستوى الإدانة بكل المقاييس الشرعية والسياسية والميدانية. فالتحالف بهذا المحتوى يعني منح حماس العراق والحزب الإسلامي صكوك الغفران والبراءة عن كل التهم والشبهات التي تحوم حولهما من قتال المجاهدين ومطاردتهم إلى التحالف مع القوات الأمريكية والمشاركة بفعالية في تشكيل مجالس الصحوة وغيرها دون أن يحصل المشروع الجهادي في العراق على أية ضمانة لهذا الثمن. فهل أرادت جبهة الإصلاح ذلك؟ أم أنها باتت جزء من المخطط السياسي للهاشمي والمالكي؟
قد لا يضير قادة الجيش الإسلامي ردود الفعل الغاضبة لدى أنصار الجهاد والمجاهدين على هذه النهاية للجيش، لكن أن يعتاد الناس على روائع جوبا الذي شكل قبل استشهاده ضمير أمة وهو يجوب الشوارع ليقتنص رأس جندي أمريكي ثم يفيق الناس على تحالف وطني لهو طعن في إرث جوبا ومنهجه وخسارة شعبية كبيرة للجيش ولا شك. وحتى هذه الخسارة فلسنا متأكدين إن كانت ذات معنى لدى قادة الجيش.
كتب أحد رواد الشبكات الجهادية المعارضين للمجلس السياسي مقالة صغيرة بعنوان:"من يضمن لي أن لا يكون هناك ثوار عامرية ولا حماس ولا جيش أبو جندل وأبايع الجبهة؟"، وخاطب في المقالة بعض الجماعات الجهادية بما يجوش في صدور الكثير من الأنصار الباحثين عن مصدر الأمان والثقة كمعياران