يلحق الظهور الجارح للزرقاوي هذا مسا بكبرياء الشخصية الأمريكية عموما ويثبت فشلا ذريعا للأجهزة الاستخباراتية العالمية وعلى وجه الخصوص الأمريكية منها؟
من جهة أخرى فقد ظهر الزرقاوي بلباسه الأسود متمتعا ببنية جسدية قوية، سليما ومعافى ومقداما كالأسد كما يصفه الشارع ورواد المنتديات، ولا شك أن هذا الظهور مثل صفعة مؤلمة لأجهزة الدعاية والإعلام العالمية وللسياسة الأمريكية على وجه الخصوص، فالرجل لا يبدو عليه أنه أصيب أو قطعت رجله أو يده أو أنه يحتضر أو أنه قتل أو أسر في جحر أو في خضم أحد المعارك، في حين لم يكن من حديث لأجهزة الدعاية والإعلام سوى بث الأكاذيب والأخبار الملفقة، وفي أحسن الأحوال تعميم التنبؤات والتوقعات بزوال الزرقاوي أو تحييده لحظة واحدة منذ احتلال العراق كما لو أنها حقائق دامغة، فأي حرج سيسببه ظهور الزرقاوي للأميركان بهذا التحدي الصارخ؟ وهل سينفع تواتر الأخبار شبه اليومية عن اعتقال أو قتل كبار مساعديه؟ بل كيف ستغدو مصداقية الإعلام الأميركي أمام الأمريكيين وهم يبثون أخبارا بات في حكم المؤكد أنها عارية عن كل صحة؟
لقد بدا واضحا من مضمون الشريط أن شخصية الزرقاوي ليست شخصية رجل الكهوف الذي تنال السنين والمشقة من قدرته على التنقل والحركة، كما أن العراق ليس أفغانستان البلد الغارق في القبلية، فها نحن نرى رجلا مفتول العضلات ومدجج بالسلاح وذي بأس شديد يتجول بين عشرات المسلحين في أراضي مكشوفة لكل الأقمار الصناعية وفضاءات الطيران وأسلحة الاستطلاع دون أن يرف له جفن، بل يبدو مقداما ثابت الخطى يصافح جنوده وضباطه وكقائد جيش أو وزير دفاع يتفقد قطعاته العسكرية ويتسابق كل من حوله على حمايته ويصافحهم الواحد تلو الآخر وسط نشيد يتخلل الشريط يتحدث عن معارك فاصلة مع الأمريكان، ثم نراه يمسك ببندقية رشاشة يطلق منها بثبات دون أن يهتز بحركة واحدة ودون أن ترمش عيونه أو تغمض للحظة.
وفي الحقيقة ثمة أكثر من ذلك، ففي غرفة منارة بالكهرباء مغطاة بفراش لا يختلف عن فراش أي بيت من عامة الناس، ومزودة بحاسوب وخرائط عسكرية يبدو أنها لمنطقة الرمادي يجلس الزرقاوي مع بعض أركانه العراقيين حيث بادره أحدهم بأدب جم بالترحيب به في الأنبار مقدما له شرحا عن سير العمليات العسكرية وتقريرا عن وحدة التقنية والتطوير العسكري مشيرا أنه تم تطوير صاروخين أحدهما سمي بـ (القاعدة 1) ومداه أربعين كم والثاني سمي بـ (قدس 1) وهو محمول على الكتف يشبه مدافع الأر. بي. جي الروسية، وأن الصاروخين سيدخلان العمل في المرحلة القادمة. ثم يشرع الزرقاوي مع قادة الميدان في مناقشة الخطط العسكرية ومشاريع المقاومة. ومثل هذه الأمور من المؤكد أنها تحتاج إلى فضاءات مدينية وليس فضاءات معزولة عن البشر، فالتصنيع يحتاج إلى بنية تحتية وخدمات ومكتبات وورش صناعية صغيرة أو كبيرة وخبراء وعلماء ومتخصصين وتجهيزات تقنية مثلما يحتاج كل ذلك إلى مناطق آمنة. فهل يمكن لرجل يعيش معزولا في البراري أن ينجح في إنشاء وحدات تقنية وتطوير صناعي ويختبر صناعاته في وسط الميدان؟
ومن الملفت للانتباه أن الزرقاوي لم يلتفت إلى الكاميرا ولم ترْق عينيه إليها بوضوح طيلة عرض الفلم، بل بالكاد لاحظ المشاهد ابتسامة خجولة في القسم الأخير من الشريط.
المحور الثالث: المحتوى السياسي