انصرف إلى بلاده، فلما بلغ قيس بن مكشوح خروج عمرو، أوعدَ عمرًا وتحطم عليه وقال: خالَفنى وترك رأيى: فقال عمرو في ذلك شعرًا:
أَمرتُكَ يوم ذى صَنْعَا ... ء أمْرًا بَادِيًا رَشَدُهْ
أَمَرتُكَ باتقَاء اللـ ... ـهِ والمعروف تَأتَقِدُهْ
خرجتَ من المنى مثل الـ ... ـحُمَيِّر عاره وَتدُهْ (1)
وجعل عمرو يقول: قد خبرتك يا قيس إنك ستكون ذنبًا تابعًا لفروة بن مسيك، وجعل فروة يطلب قيس بن مكشوح كل الطلب حتى هرب من بلاده وأسلم بعد ذلك.
ولما ظهر العنسى خافه قيس على نفسه، فجعل يأتيه ويسلم عليه ويرصد له في نفسه ما يريد، ولا يبوح به إلى أحد، حتى دخل عليه وقد دق فيروز بن الديلمى عنقه وجعل وجهه في قفاه وقتله، فَحَزَّ قيسٌ رأسه ورَمَى به إلى أصحابه، ثم خاف من قوم العنسى، فعدا على داذويه فقتله ليرضيهم بذلك، وكان داذويه فيمن حضر قتل العنسى أيضًا.
فكتب أبو بكر إلى المهاجر بن أبي أمية: أن ابعث إليّ بقيس في وَثَاق. فبعث به إليه، فكلّمه عمر في قتله وقال: اقتله بالرجل الصالح - يعني داذويه - فإن هذا لص عادٍ، فجعل قيس يحلف ما قتله، فأحلفه أبو بكر خمسين يمينًا عند منبر رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ما قتله ولا علم له قاتلًا، ثم عفا عنه.
فكان عمر يقول: لولا ما كان من عفو أبى بكر عنك لقتلتك بداذويه، فيقول قيس: يا أمير المؤمنين، أشعرتنى، ما يسمع هذا منك أحد إلا اجترأ عليّ وأنا برئ من قتله. فكان عمر يكفّ بعد عن ذكره، ويأمر إذا بعثه في الجيوش أن يشاوَر ولا يجعل إليه عقد أمر، ويقول: إن له علمًا بالحرب وهو غير مأمون. فهذا حديثه.
(1) الأبيات لدى ابن هشام ج 4 ص 583، والطبرى ج 3 ص 133. وقد تحرف"وتده"في المطبوع إلى"وقده"وصوابه من الأصل والمصدرين المذكورين.