فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 564

ابتدأت أحداث حماة بمزيد من ضغط النظام الخائن على المدينة المجاهدة. وقد ظهر ذلك بكثرة الحواجز، واستمرار التفتيش، ومداهمة البيوت في ليل أو نهار، وقصف المباني على سكانها. هذا مع أن مجاهدينا اتخذوا قرارًا وأبلغونا إياه بألا يقوموا بأية عملية في حماة. رحمة بأهلها من عسف السلطة وجورها، ولكن السلطة الغاشمة كانت تعتبر حماة محل ثأرها لأي عملية تجري في أي مكان من سوريا.

وكانت القيادة قد شكلت قيادة ميدانية للعمل المسلح في الداخل، نعرض عن التفصيل فيها لأسباب أمنية. وقد سبق قصف مدينة حماة اعتقال عدد كبير من الضباط في الجيش السوري من بينهم بعض ضباطنا، مما زاد العبء وضاعف الجهد. لكن العمل هو العمل.

(ومن ظن ممن يلاقي الحروب أيصاب فقد ظن عجزا)

وكانت القيادة قبل ذلك وأثناءه عاكفة على الدراسة المستمرة لأبعاد معركتنا، لتحدد مستلزماتها السياسية والعسكرية، المادية والمعنوية، الفنية والتعبوية. وكانت متفاهمة مع القيادة الميدانية في الداخل على الإطار الكبير للحركة، وعلى الأشياء الرئيسية التي ينغي تأمينها. وكان هناك حوار حول جميع المستلزمات لإسقاط النظام الباغي على ضوء الأوضاع الداخلية والخارجية. وكان العمل يجري على قدم وساق، وبصمت لا يحس به إلا من يعاني منه أو يعايشه، وكانت هناك جهود مكثفة ومساع متعددة لتأمين هذه المستلزمات في زمن ما، على ضوء دراسة القيادة وتوقعاتها.

وفي هذه الأجواء أراد بعضهم أن يستجر القيادة إلى معارك جانبية، كالَ فيها الاتهامات وقال فيها الكلام المزور، ووزع البيانات، وأطلق التصريحات، ظانًا أن الصف الإخواني من الهشاشة بحيث يتجاوب مع كل صوت. ولكنه وجد أن الجدار التنظيمي للإخوان المسلمين لا يمكن اختراقه، بإذن الله. ورفضت القيادة أن تستجر إلى هذه المعركة، معتقدة أن دفاع الله عن عباده أقوى وأشد:"إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوّان كفور".

ولما أعيت هؤلاء الحيلة في التأثير على الصف، نزل رأسهم مع أحد المراسلين إلى حماة وقابل هناك الأخ المسؤول، وحمل رسالة منه إلى قيادة الإخوان، ورجع متظاهرًا بأنه داعية سلام ووئام وإنقاذ، وسلّم الرسالة للمراقب العام، وعرض بعض العروض. وبينما الرسالة تتدارس معه إذا بها توزع على الناس مع قائمة من الشتائم والاتهامات، فقد صوّروها قبل تسليمها إلى المراقب العام، وظهر الهدف الحقيقي من العملية كلها.

كانت الرسالة تتدارس مع حاملها في /24/ كانون الثاني، وكان مطلوبًا من القيادة في هذه الرسالة أن تفجر الأوضاع في سورية في /25/ كانون الثاني، أي في اليوم التالي. ولم يكن هذا معقولًا، وعرفت القيادة فيما بعد أن هناك موعدًا احتياطيًا وشيفرة، كان قد اتفق عليهما مع حامل الرسالة ولم يفض الرجل بشيء من تلك الأسرار للقيادة. وفوجئ الناس في حماة منتصف ليلة 2/ 2/1982 بنداء من أحد المساجد عبر مكبرات الصوت بانفجار الثورة الشعبية في كل سورية، وذلك دون علمنا ولا بإيعاز منّا، والتحم الناس في معركة مع قوات النظام وكانت نتيجتها أن احتل إخواننا المراكز الهامة في حماة وسيطروا على المدينة مطمئنين للنداء المذكور، متجاوبين مع الرسائل المرمّزة، غير عارفين بأن من وعدهم -عبر الشفرة- لا يملك إمكانية التنفيذ، ولا إمكان الإغاثة والدعم. وبدأ الرجل عملية تشويش على القيادة والصف مدعيًا أنه سيحسم الأمر خلال أيام. داعيًا الصف للالتحاق به. محاورًا بعض الحكومات ولم يخرج من ذلك بشيء، وكان حصيلته الإخفاق التام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت