فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 564

لكنهم يرون سبيل الإصلاح عبر نشر الوعي داخل الصف، واستغلال الانتخابات الشرعية للوصول إلى غالبية صالحة في مجلس الشورى ينبثق عنها مكتب تنفيذي صالح .. وقد اصطدمت هذه المحاولات بالحلقة المفرغة، إذ أن شخصيات الجماعة القوية كانت قد سيطرت على الوضع بشكل أخطبوطي، وأوجدت لنفسها أنصارا من الإخوة والإمّعات الذين ارتبطت مصالحهم بها، ولاسيما في السعودية والخليج ومناطق العمل وكذلك في أوروبا حيث تسيطر قيادات سياسية ضحلة الوعي الديني الشرعي مرتبطة بالشخصيات التقليدية ولاسيما بـ سعد الدين الذي كان مسؤولًا عنهم. وهكذا لم تفلح هذه التيارات الإصلاحية بتحقيق أحلامها .. وكان قصارى إنتاجها هو ما توصلت إليه بعد نحو أربع سنوات من النكسة .. إذ استطاعت الأغلبية الصالحة بنظرهم تكتيل مركز قوة في مجلس الشورى أدى إلى توازن حاد أدى من ثم لانشقاق الجمعة إلى جناحين كما سنرى وذلك في عام 1986.

وهكذا يمكن إيجاز الوضع الذي تمخض عنه الحال في جماعة الإخوان المسلمين بعد هذه الزوابع بما يلي:

-تكرست سيطرة القيادة التقليدية على الجماعة رغم الانتخابات الجديدة مما ولّد إحباطا عاما في صفوف الشباب.

-نشأت في صفوف القيادة ومجلس الشورى وشخصيات الجماعة الفاعلة مراكز قوى تمحورت حول طروحات ورجالات شتى، وانتقلت بعض هذه المراكز إلى السعودية والخليج وتركز القسم الآخر في الأردن والعراق، وكانت هذه التحزبات التي تعود لجذور أقدم من الأحداث نفسها مقدمة انشقاق حصل فيما بعد سنة 1986.

-أدى إحباط القواعد إلى تفكير الغالبية بالمغادرة ولاسيما بعد وصول محاولات الإصلاح من الداخل إلى العقم، وهكذا بدأت مرحلة الهجرة المعاكسة. ولم تفلح كل محاولات القيادة بعرقلة هذه الظاهرة عبر التحكم والضغوط البشعة على صعيد المال والوثائق بأولئك المتذمرين .. ثم ما لبثت القيادة أن بدأت تسمح بل تشجع المتذمرين على المغادرة للتخلص من عبء مشاكلهم. ولم يحل عام 1983 إلا وقد غادر الساحة معظم الكوادر الشابة العسكرية والفنية والتنظيمية ... باحثين لهم عن حياة حديدة في العمل في السعودية والخليج أو في الدراسة في أوربا وتركيا ... أو غيرها.

-تركز جهد الإخوان ونضالهم ضد النظام السوري على الجهود السياسية التي تركزت حول التحالف الوطني، وبدأوا مرحلة من الصلات والعلاقات الخارجية الموسعة، وبقي نشاطهم العسكري محدودا جدا لتأمين بعض الوزن لدعم الجهد السياسي.

-تم تعويض الفراغ الناشئ عن هجرة الشباب بمزيج من الشباب الذين لوحقوا جديدا عبر تطور الأحداث لاسيما من مناطق حماة وإدلب وغيرها ... وجلهم من الشباب الأغرار الذين لم يعرفوا شيئا عن المشاكل الماضية ليغرر بهم من جديد وكانوا بضعة عشرات من الشباب .. بالإضافة لبقايا من القدماء اضطرهم الظرف المادي للبقاء تحت ظل الجماعة. كأسر المتضررين وبعض المحتاجين لغطاء الجماعة .. بالإضافة لبعض الشباب القدماء الطيبين الآملين في الإصلاح ومن تبقى من العازمين على الجهاد لا يرون طريقا له إلا ما يتيحه الإخوان المسلمون والعراق.

وهكذا شكل هذا المزيج ما سمي جيشا نظاميا أو شبه نظامي تحت اسم (جيش تحرير سوريا) ، وقد كان العمل به بموجب عقود ارتباط شبه إلزامي ... وبدأت بعض الأعمال العسكرية تصدر باسمه في النذير، هذا المزيج غير المتجانس، وغير المعد للجهاد، أفرز في صفوف القواعد بعض الظواهر الشاذة على مستوى الالتزام أحيانا تصل إلى حدود مروعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت