إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) .
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا) .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا) .
أما بعد:
فهذه هي الطبعة الأولى لهذا الكتاب الذي فرغنا من كتابته في أواخر عام 1987 وقرأه بعض الإخوة مخطوطًا، وكان الغرض منه بحث موضوع الجهاد في سوريا؛ تاريخه ومآله وآماله والتجارب المستخرجة منه ودراستها في محيط محدود. ثم تمَّ نسخه وتسربت بعض نسخه إلى دائرة أوسع من محيط الإخوة السوريين. فلما وجدت إلحاحًا من العديدين منهم لنسمح بنشره، تم توزيعه عدة مئات من النسخ التي سحبت على النسخة المطبوعة فكانت طبعة تجريبية انتشرت منذ أواخر 1989. وقد رأبت السماح بانتشاره رغم ما يحف ذلك من مخاطر عامة وإشكالات مع أطراف إسلامية وغير إسلامية متعددة. قررت ذلك لما وجدت حاجة الإخوة العاملين للإسلام والجهاد في مناطق وبلاد مختلفة، حاجة ماسة للاطلاع على تجربة كهذه كي يحاولوا أن لايقعوا في أخطاء دفعنا الدم الزكي ثمنًا لها، وليتجنبوا تجارب وصراعات وتصورات خاطئة استغرقت منا خمسة عشر سنة كي نصل بها إلى تصور أقرب للصواب إن شاء الله تعالى.
فلما انتشر منه عدة مئات من النسخ التجريبية في مختلف الأوساط الإسلامية، حاولت رصد التعليقات والملاحظات التي تلت انتشاره لأستفيد منها عندما نتوجه لطباعته في نسخة رسمية في كتاب، وتلقيت عددًا من النصائح المفيدة وتشجيعًا مشكورًا من إخوة أحباب على متابعة الكتابة في هذه البحوث، وفق هذا النهج الجريء المتميز الصريح المباشر. وأحب هنا أن أسجل بعض الملاحظات التي استفدتها من جراء الطبعة التجريبية:
1 -أن التقدير العظيم الذي لاقاه الكتبا كان في قطاع الإخوة غير السوريين رغم أنهم أصحاب القضية والذين كانوا الهدف الرئيسي من كتابته، وذلك لعدة أسباب أجملها فيما يلي:
أ- أن درجة الإحباط العالية لدى من تبقى من حطام الجهاد في سوريا بلغت حدًا أنهم لايريدون العمل لقضيتهم حتى ولا القراءة عنها وللأسف، فقد ملّوا حتى سماع أخبارها.
ب- أن أحد أهم الأمراض العضال التي خرج بها هؤلاء المساكين هو روح الأستاذية الفارغة، فهم يتصورون أنهم مروا بتجربة يعرفون كل ما فيها فلِمَ يتكلفون قراءة مئات الصفحات؟
ج- أن كثيرًا من الإخوة السوريين مايزالون ولو شكليًا وإسميًا تابعًا للجماعات الإسلامية الرئيسية التي ساهمت في القضية الجهادية وكانت مساهمتها تتراوح بين السلبية وبين كونها كارثة على الجهاد نفسه، فهم منحازون سلفًا ودون أن يقرءوا لأنهم سمعوا أن الكتاب يعري دور جماعاتهم المخزي في القضية، أما الذين انصفوا في الكتاب كما يعتقد الكثيرون فغالبيتهم الساحقة قد استشهدت أو التهمتها السجون والمعتقلات، ومن تبقى منهم وللأسف شريحة لا تقرأ ولا تكتب كما هو حال كثير من أصحاب الخط الجهادي العملي، حيث أن أكثر الحقائق مأساوية في العمل الإسلامي عمومًا وليس السوري فقط أن معظم العاملين المجاهدين لايقرأ كي يستفيد ويرشّد عمله، ولا يكتب عن تجاربه كي يستفيد الآخرون، ويعتبر هذا من صفات الذين لا يعملون.