الحمد لله أن بالإمكان القول أنه ورغم أننا ولدنا كحركة جهادية في بلاد الشام في ظروف الاستثنائية إلا أن هذه الطروحات الفكرية الجهادية الرافضة لهذا الواقع المرير لا تأتي بدعا من القول. فها هي ساحة الوطن الإسلامي الكبير عربية وعجمية تشهد ميلاد فكر الجهاد، وانبعاث رايته من داخل صفوف الحركات الإسلامية ذات التاريخ الدعوي الطويل، وهاهي أخبار الانتفاضات الجهادية هنا وهناك تطالعنا بأخبار المجاهد الثائر حاملا بندقيته مقررا إرساء خط جديد في ساحة الدعوة يأتي بدوره مكملا الطريق بما يناسب ما وصلت إليه حالة المسلمين ودعوتهم في ظل حكومات الكفر والجور والعسف.
ولو أننا عدنا إلى الوراء بضعة عقود ناظرين في مسار الدعوة إلى الله، ذلك المسار الذي ولد إبان أو بعد سقوط الخلافة الإسلامية التي آلت في أواخر أيامها إلى رمز إسلامي وحسب.
نجد أن ذلك المسار ولد في أنحاء شتى من الوطن الإسلامي في مصر والشام وتركيا والباكستان ... الخ بطروح متشابهة تدعو إلى العودة لفهم الإسلام فهما شموليا كدين ودولة وعبادة وعقيدة، مصحف وسيف، نظام شامل ارتضاه الله لعباده المؤمنين، وأوكل إليهم واجب تحقيقه على سبيل الفرض.
وهكذا شهد العالم الإسلامي ارتفاع شعار الجهاد والدعوة، فاتحًا المجال أمام ملايين المسلمين الذين كانوا يعانون من الاستعمار والاضطهاد في كل بقاع الوطن الإسلامي. وراحت الدعوة تشق طريقها، وكعهد كل دعوات الخير؛ اصطدمت بإرادة الطواغيت ورثة فرعون ونمرود. وابتدأت المحنة وتابعت الدعوة طريقها صابرة مصابرة فتحمل الدعاة السجن والقهر والقتل وكل صنوف الظلم. وتتالت السنون وزاد طغيان الطغاة وثبت صبر الدعاة إلا أن الحال وصلت لوضع لا يطاق. وبدل أن تتطور الدعوة تلقائيا لتفرز قيادتها الميدانية الشابة، ولتولد الخط المنطقي والطبيعي لعلاج تلك الأوضاع المارقة والظالمة، بدل ذلك راحت الدعوة تمر في مسارات حسب الظرف الذي نشأ في كل منطقة من المناطق، وتولدت نظريات دعوية شتى أسفرت عن مدارس في الدعوة تراوحت بين الدعوة إلى الله من خلال مهادنة الطاغوت بل والالتصاق به أحيانا، وبين الدعوة إلى الله من خلال ما يسمح به الطاغوت من أجواء برلمانية ديمقراطية، فتلاحم الدعاة مع صنوف أخرى من ضحايا الظلم والحكم الاستبدادي، من تجمعات وطنية أو قومية أو غير ذلك تتقوم في معظمها على فكر علماني مرتد، وشكلت معها معارضات سياسية. وانصرفت الدعوة في مناطق أخرى لتتابع طريقها عبر مدرسة الصبر اللانهائي متحملة القتل والعذاب والسجن والتشديد دون طائل ...