لنعد إلى سؤالنا الآن، بعد أن سارت الأمور على النحو الذي بينا في النبذة التاريخية والتي لم يكن تقديمها على هذا البحث عبثا إذ لا يمكن أن نمضي بالاستنتاج قيد أنملة بدون الاعتماد على ما مر وفهمه واستخلاص العبرة منه. هل بالإمكان أن نحق هذا الهدف؟ بل وما هو أقل منه وهو الدفاع عن الدين والعرض وعن النفس على الأقل .. دون أن ندرس تجربتنا لنستفيد منها ونعيد بناءنا بما يتناسب وحالة الحرب التي نحن فيها بل حالة الحرب الضروس، حرب الإبادة التي نتعرض لها نحن وأهلنا وديننا في البلد! فنعتمد بناء تنظيم عسكري جاد نحشد له كل الطاقات والقدرات ونتبنى خطة شاملة مستفيدين من كل تلك التجارب ... معتمدين على الله وحده مصححين راية الهوية الإسلامية التي نحمل حتى نستأهل نصر الله، وحتى نستأهل الاسم الذي نحمله والشعار المقدس الذي نرفعه والتاريخ الناصع الذي ننطلق منه ونؤدي الأمانة في السير على الدرب الذي استشهد من أجله أسلافنا. إننا لن نحقق شيئا ما لم نسلك هذا السبيل وها هي التجارب تلو التجارب وعلى مدى سنين طوال تثبت هذا ومازال التراجع من سيئ إلى أسوء وليرحمنا الله من مصير أسود من ذلك إن نحن استأنفنا السير على هذا المنوال. لقد كان كل هذا في منظورنا ولقد نادينا به وعبر ما يسميه أصحابه (القنوات التنظيمية) لقد رفعنا عشرات التقارير وحاورنا عشرات الحوارات وارتفعت الأصوات كلها من هنا وهناك تنادي بهذا بعيد الأزمة والدمار الشامل. ولم يكن من عجيب. لقد أريد للأمور أن تسير في هذه المتاهة ... لكأننا نجزم أنه أمر دبر بليل!! ولكن لا ... فليس لنا أن ننساق وراء الاستنتاج مهما بلغ من القوة لنجعل منه دليلا، (فعلى مثل الشمس فاشهد أو فدع) ولا شك أن الأيام الحبالى ستلد الحقائق، يجب أن نقول ومهما كان هذا الكلام محرجا ... فقد عرفه وعاشه كل الإخوة ولا أحد يجهل هذا ... لقد آلت الأمور إلى أيدي زعامات وقيادات لم تكن في يوم من الأيام قيادات للجهاد، بل على العكس لقد قاوم معظمها التيار الجهادي حتى الأخير، فلما وقع أمر الله وأصبح قضاء لابد منه، تصدت له هذه القيادات خوفا وطمعا واستطاعت -كما بينا- عبر امتداداتها وإمكاناتها وثقة المسلمين في مختلف الجهات بها أن (تحول) كل تلك البطولات التي قدم المجاهدون دماءهم ثمنا لها لصالحها، فتربعت على قمة المجد وأمسكت بكل خيوط اللعبة بما فيها نحن أنفسنا-القواعد الإسلامية العازمة على الجهاد- فمثلتنا وباسمنا أقدمت على كل ما أقدمت عليه، بما فيه الإقدام على بيع الراية الإسلامية الصافية لتلاميذ عفلق والحوراني وأضرابهم من أعداء الإسلام الوالغين في دماء أهلنا وإخواننا ولم تجف دماؤهم بعد في المسجد الأموي ومسجد السلطان وساحات الشرف في كل أنحاء الشام. وباسمنا أثرت وسادت وباسمنا خططت للحرب ودفعت بنا إليها حين اقتضى الظرف ذلك في الوقت الذي وفرت فيه أنفسها وأبناءها وأقرباءها وأرسلت بهم للدراسة في الجامعات الخارجية بمنح دراسية قدمتها تزلفا جهات ذات أغراض مبيتة بعد أن أصبحت هياكل الكبراء بفضل دمائنا تستحق التزلف! لقد كانت هذه هي الحقيقة ولقد انطلى علينا كغيرنا أن بالإمكان أن نقوم بالإصلاح، ولو إلى حد ما عبر تلك الهياكل وعبر الإسلام والشرع دون الحاجة لفصم عروة أخرى لنعجل من الثلاثة أربعة ومن الأربعة خمسة. وهو أمر طالما كرهناه ما كرهه غيرنا. لكن في وقت من الأوقات أصبحت الأمور أكثر حرجا، فلقد تحددت أسباب البلاء تماما. ولم يكن بالإمكان أن يحصل الإصلاح دون إزالتها ...