فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 564

ولأسباب أخرى تعود معظمها لطبيعة حياة الناس العاديين وصراعهم من أجل بناء الدنيا والجري وراء تراهاتها ومعافسة الأموال والأزواج والأولاد .. وفوق كل ذلك جو الإحباط النفسي التام مما جرى وفقدان الثقة بالقيادات وبالأقران وبالنفس بل وبنصر الله وفرجه، وفي ظل غياب رابطة تجمع الناس على توجيه ما وتربية ما .. فلا ارتباطهم بالإخوان بعد فقدان الثقة يوفر لهم اليوم ما وفره لهم سابقا من التربية الدينية والسلوكية على الأقل .. ولا ارتباطهم بمشايخهم ومساجدهم كما كانوا في بلدهم المحتل ممكن وهم أغراب مشتتون يستهلكهم الجري الدؤوب لتحصيل عيش الكفاف الكريم ..

لكل هذا وأكثر منه .. فإنك إذا نظرت في حال معظمهم ترى أن الغالبية العظمى لم تسلم إلا على دينها بحدوده العادية-والحمد لله على هذا إذ لم تسجل إلا حالات شاذة قليلة انسلخ فيه البعض حتى عن دينهم- أما الغالبية فحدود التزامها ممارسات المسلم العادي الذي لم يعد يجد لا الجرأة ولا الوقت ولا الحماس ليفكر بما هو أكثر من هذا. وأصبحت مفاتحته بأي ذكريات ماضية وأي حوار جاد عن قضيته ومصيره ومصير بلده ودينه نوع من الحديث الثقيل الممل الذي لا يجاوز الدوران في حلقات من النقاش الأجوف الذي لا يوصل إلا إلى فراغ. فإن خرج عن هذا في حالات شاذة إلى شيء من العمق والجدية ترى التصريح المباشر بالعجز عن أي قناعة جدية تنقله ولو إلى التفكير فقط بإمكانية العمل مرة ثانية.

إلى جانب الحالة العامة هذه فإنك تستطيع أن تتابع عشرات القصص وعشرات الحوادث التي تسمع فيها عن أخلاق فسدت، ومروءة تهاوت، ومعاملة مخجلة بين تجار اليوم من إخوة كانوا أقرانا في الجهاد ذات يوم .. وانحلال في الدين والخلق ومصائب لا تستحق أن تحملها هذه الأوراق ..

أما مصيبة المصائب فيما حل بهؤلاء الإخوة فهي أن أجهزة المخابرات السورية العاملة بجد ونشاط ولاسيما في الدول التي لجأت إليها أعداد كثيرة كالسعودية ودول الخليج واليمن عبر سفارات النظام السوري هناك، تمكنت لاطلاعها عبر مخابراتها ومن استطاعت تجنيدهم من ضعاف النفوس في صفوف هؤلاء الحطام، ولعلمها الدقيق حقيقة؟؟؟ عن طريق هذا وكثير من الوسائل الأخرى تمكنت من رصد الحالة النفسية لهذه الجموع وبدأت عمليات استدراج منظمة عن طريق لجان لتسوية أوضاع الملاحقين والمغادرين تحت ظروف شتى، تمكنوا من إقناع العشرات من ضعاف النفوس من تسوية أوضاعهم والحصول على جوازات سفر حقيقية ودفع بدل تخلفهم عن الجيش (بالعملة الصعبة بالطبع) بعد الإدلاء خطيا بتقارير مطولة عن نشاطاتهم السابقة في التنظيمات الإسلامية وعن سيرتهم الكاملة خلال السنوات التي تغيبوا فيها عن البلاد .. وقد نزل فعلا العشرات عن هذا الطريق وعادوا إلى سوريا ليكونوا مخبرين أو نصف مخبرين أو مرشحين لأن يكونوا بهذا السلك ساعة اللزوم شاءوا أم أبوا ..

وتحار على من تضع اللوم ..

على قيادات العمل من أولئك المجرمين الذين دمروا الجهاد، ثم دمروا الحركة الإسلامية، ثم دمروا قواعدهم على كل الأصعدة، ثم دمروا مبادئهم ومرغوا رايتهم الإسلامية بوحل الردة والعلمانية والكفر، ولم يبق إلا أنفسهم فراحوا يدمرونها ويصطرعون فيما بينهم فما يتركون على أنفسهم سترا إلا ويكشفوه، وما أدري ماذا سيهدمون بعد كل هذا؟! أم على شباب مسلم تاه بعد أن تحطم أمامه المثل وسدت في وجهه السبل فهام يتصارع على الدنيا لا يدري كيف ينالها .. لم يفر إلى رب .. لم يفر إلى دينه .. لم يفر إلى قرآنه .. كما فعل الآخرون فانهار وسقط! وكل نفس بما كسبت رهينة ..

أم على الظرف كما يزعمون .. وما الظرف؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت