ثانيًا: ليس لأحد من دون الله شيء من أمر التشريع والمسلمون جميعًا لا يستطيعون أن يشرعوا قانونًا [1] ولا يقدروا أن يغيروا شيئًا مما شرع لهم.
ثالثًا: إن الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون المشرع الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من عند ربه، مهما تغيرت الظروف والأحوال التي بيدها زمام هذه الدولة فهي - أي الحكومات- لا تستحق طاعة الناس، إلا من حيث أنها تحكم بما أنزل الله وتنفذ أمره تعالى في خلقه، ومن هنا تأخذ الحكومات شرعيتها). رسالة: نظرية السياسة للمودودي. اهـ.
وهذا يتفق مع بدهيات الأمور، فلماذا يكون من حق الله أن يتدخل في أمور عباده منفردين ولا يكون من حقه التدخل في شكل الدولة مع كونها الأهم ..
فهل يعلم الله مصلحة الفرد وخيره وشره ولا يعلم مصلحة الجماعة وخيرها وشرها أو يبالي بأمره ولا يبالي بأمرها، وهذا المفهوم عن سلطة الله في الحكم هو تصور المسلم عن الإيمان بالله، فليس المقصود بالإيمان بالله، الإيمان بوجوده فقط، فذلك أمر من البديهيات التي لا تحتاج إلى نقاش في منظور الإسلام، فنحن نؤمن بوجود الحجر والشمس والقمر، كما نؤمن بوجود أعدائنا إيمانًا لا شك فيه، ومن المقطوع به أن المقصود ليس الإيمان بالله إيمانًا كهذا. فلقد سجل القرآن الكريم اعتراف المشركين بوجود الله حيث قال عز وجل:"ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله"الزخرف87، وقال:"ولئن سألتهم من نزل من السماء والأرض ليقولن الله"الزمر38، وقال:"ولئن سألتهم من نزّل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها ليقولن الله، قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون"العنكبوت 63، بل سجل إخلاصهم في الدعاء وقت الشدة حيث قال:"فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون"العنكبوت65.
فتصور المسلم عن الإيمان بالله: أنه موجود، متصف بصفات الكمال، له الأسماء الحسنى وأنه وحده صاحب التشريع في هذا الكون، فمن أعطى لنفسه الحق في إيجاد منهج للحياة، أو التشريع، فقد أشرك وكفر بالله أساسًا، واتخذ إلهه هواه حتى ولو ادّعى الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لأنه يكون قد أعطى لنفسه حقًا لا يجوز إلا لله تعالى _وهو الحكم على العباد- ففرعون حين قال لقومه"ما علمت لكم من إله غيري"لم يرم من ذلك إثبات أنه هو الذي خلق الكون، أو أنه يستطيع أن يتصرف بالشمس والقمر والريح أو فيضان النيل، ولم تكن عبادة الناس له بهذا المعنى وإنما قصد أنه المطاع الوحيد فيهم بما له من سلطان، وأن كل المصريين كانوا يعرفون أن فرعون ليس له من أمر الكون شيء، وأنه ولد كبقية الناس، وكبر مثلهم، وأنه يستطيع أن يتصرف في الشمس أو القمر أو الريح أو غير ذلك، ولكنه أطاعوه فيما شرع فمن وضع نفسه من الأمة موضع فرعون هذا -موضع المشرع- فقد نصب نفسه إلهًا عليهم ومن أطاعه عن رضى فقد عبده من دون الله، وحديثنا عن ارتباط سلطة الله التشريعية بالإيمان يدعونا إلى حديث عن أهمية هذه القضية ومكانتها من الإيمان بالله وتوحيده.
(1) يستحسن أن يضاف بعد كلمة (قانونًا) عبارة يخالف الشريعة إذ من المتفق عليه أن الأحداث تتجرد ولا بد من اجتهاد العلماء لإيجاد الأحكام لها. والتشريع الذي أنكره الله هو المخالف لشرعه كما قال تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) الشورى. فقيده سبحانه بقوله: (ما لم يأذن به الله) (المحقق) .