قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما سئل عن قتال التتار مع تمسكهم بالشهادتين ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام: (كل طائفة ممتنعة عن الالتزام بشرائع الإسلام الظاهرة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه كالصلاة كما قاتل أبو بكر والصحابة مانعي الزكاة. وعلى هذا اتفق الفقهاء بعدهم، فأيما طائفة امتنعت عن الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج أو عن التزام جهاد الكفار أو غيرهم ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها والتي يكفر الواحد بجحودها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، وهؤلاء عند المحققين ليسوا بمنزلة البغاة بل هم خارجون عن الإسلام) اهـ. الفتاوى الكبرى-باب فقه الجهاد.
وقال القاضي عياض: (فلو طرأ عليه -أي الخليفة- أي تغيير للشرع أو بدعة [1] خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل) .
وهكذا نرى أنه ليس هناك أي تناقض بين آراء العلماء حول مسألة الخروج على النظام الحاكم ( ... ) وإعراضه عن شرع الله فالكل مجمع على ذلك كما نقل عن ابن تيمية هذا الإجماع وأشار إليه عندما قال: (وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء) .
هناك بعض الناس يسيؤون فهم بعض الأحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمثلًا قوله صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم دمه وحسابه على الله عز وجل) قال القاضي عياض حول ذلك: (اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعبيرًا عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم فمن يقر بالتوحيد فلا يكفي في عصمة قول لا إله إلا الله إذا كان يقولها في كفره) .
وقد أجمع العلماء على أن من قال لا إله إلا الله ولم يعتقد معناها أو اعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها، يجب أن يُقاتَل حتى يعمل بما دلت عليه من النفي والإثبات يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) . قال النووي في تعليقه على الحديث: (ففيه وجوب قتال مانعي الزكاة والصلاة أو غيرها من واجبات الإسلام قليلها أو كثيرها) ويقول ابن تيمية: (اختلف العلماء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنة كركعتي الفجر أو الأذان أو الإقامة عند من لا يقول بوجوبها ونحو ذلك من الشعائر، فهل نقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا ... أما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة مع قوله:(تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم) فيعلم أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب).
(1) تكملة كلام القاضي عياض تُبين أن الخلع واجب في الكافر وليس المبتدع حيث قال: ( ... وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه ... الخ) صحيح مسلم بشرح النووي ج12 ص229.