فلا نفهمه بالصورة التي يحاولون من خلال عرضه، يقولون: قال عليه الصلاة والسلام: (ما أقاموا فيكم الصلاة) ويعتقدون أن المقصود هو أنه مادام الحاكم يصلي ولا يمنع الناس من الصلاة فلا يجوز الخروج عليه، وهذا فهم قاصر وغير صحيح ولا يلتقي مع أقوال جمهور العلماء، وبالأخص ابن تيمية في أقواله التي أوردناها في الصفحات السابقة، فالتتار كانوا يقيمون الصلاة، بل منهم من كان فقيهًا متعبدًا، ومع ذلك جعل قتالهم واجبًا لإيمانهم بالياسق والمقصود بالمنابذة التي ورد ذكرها في الحديث هو نقض البيعة التي أعطاها الناس لهؤلاء الحكام والخروج عليهم يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:"فإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء"أي أعلمهم بنقض العهد الذي بينك وبينهم وفي الحديث إشارة واضحة إلى أن هناك بيعة أعطيبت لهؤلاء الأمراء كي يقوموا بأمر المسلمين حسب كتاب الله وسنة رسوله، والبيعة يجب أن تكون عن رضى واختيار، لا عن إكره وإجبار وهي الوسيلة الشرعية في الإسلام لتولي السلطة السياسية مادامت هناك بيعة بين الحاكم والمحكوم بمعنى ذلك أن الحاكم يجب أن يطاع لأن البيعة إلزام للحاكم بالتقيد بشرع الله وإلزام للمحكوم بطاعة هذا الحاكم في حدود الشرع، ومن هنا فإن الأمراء الذين طلب الصحابة منابذتهم والخروج عليهم كانوا يحكمون بما أنزل الله لكن سلوكهم الشخصي لا يرضي المحكومين وأفعالهم تبيح لعنهم من قبل الناس، ومن ثم هم يلعنون الناس كما يلعنونهم، وعلى ضوء هذا يتبين أن المقصود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما أقاموا الصلاة) ليس هو مجرد إقامة الصلاة بحد ذاتها، وإنما لأن الواجب على الأمير المسلم أن يقيم في الناس الصلاة ويأمرهم بإقامتها ويؤمهم ويخطب فيهم الجمعة، فهذا العمل صورة من صور الممارسة الشرعية لمسؤولياته في الإسلام ومادام يقوم بهذا العمل فهذا يعني أيضًا تقيده والتزامه بشرع الله عز وجل لأجل ذلك لا تجوز منابذته وليس المقصود -كما يفهم البعض- أنه مادام الحاكم يصلي ولا يمنع الناس من الصلاة فلا يجوز الخروج عليه وإن لم يكن يلتزم شرع الله (راجع الهامش في الصفحة السابقة) فهذا الفهم يخالف مخالفة صريحة ما كان عليه الصحابة، وأجمعوا عليه وكذلك ما أجمع عليه الفقهاء، وهل يعقل أن يكون المقصود بالحديث هو الحاكم الذي يقيم الصلاة فقط دون بقية أحكام الشرع، إن محاولة تطبيق الحديث على حكام اليوم هي محاولة لدعم الباطل على حساب الإسلام فحكام اليوم وأنظمة هذا العالم المترامي المسمى مجازًا بالإسلامي لم يصلوا إلى الحكم بالطريق الشرعي -البيعة- بل فرضوا أنفسهم على المسلمين بالحديد والنار ودعم القوى الكافرة المتربصة بالإسلام ودعانه الحقيقيين، ومن هنا ينقطع الطريق أمام دعاة الضلالة الذين يحاولون ترقيع الجاهلية بأحكام الإسلام وإلباس هذه الأنظمة الكافرة ثوب الإمامة العادلة، لقد استحلت هذه الأنظمة ما حرم الله في كل قرار تصدره وفي كل خطوة تخطوها في كما نلاحظ لا تقوم على بيعة وقد عطلت الأمة الشورى ومراجعة الحاكم وتسديده وترشيده وعزله، وأخذت تتوسع في إباحة المحظورات الشرعية بل تيسر السبل والوسائل كي تنتشر هذه المحظورات وتسود الواقع، والاستحلال كفر باجماع الأمة لا يخالف في ذلك أحد وبالإضافة إلى ذلك استباحت دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم ...