إن تلك الأحكام المرحلية ليست منسوخة بحيث لا يجوز العمل بها في أي ظرف من ظروف الأمة المسلمة بعد نزول الأحكام الأخيرة في سورة التوبة، ذلك أن الحركة والواقع الذي تواجهه في شتى الظروف والأمكنة والأزمنة هي التي تحدد -عن طريق الاجتهاد المطلق- أي الأحكام هو أنسب للأخذ به في ظرف من الظروف في زمان من الأزمنة في مكان من الأمكنة مع عدم نسيان الأحكام الأخيرة التي يجب أن يصار إليها، متى أصبحت الأمة المسلمة في الحال التي تمكنها من تنفيذ هذه الأحكام، كما كان حالها عند نزول سورة التوبة وما بعد ذلك أيام الفتوحات الإسلامية التي قامت على أساس من هذه الأحكام الأخيرة النهائية سواء في معاملة المشركين أو أهل الكتاب.
إن المهزومين في هذا الزمان أمام الواقع البائس لذراري المسلمين -الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان -وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على أصل الجهاد في الإسلام، يحاولون أن يجدوا في النصوص المرحلية مهربًا من الحقيقة التي يقوم عليها الانطلاق الإسلامي في الأرض لتحرير الناس كافة من عبادة العباد وردهم جميعًا إلى عبادة الله وحده، وتحطيم الطواغيت والأنظمة والقوى التي تقهرهم على عبادة غير الله، والخضوع لسطان غير سلطانه والتحاكم إلى شرع غير شرعه .. ومن ثم نراهم يقولون مثلًا: إن الله سبحانه يقول:"وإن جنحوا للسم فاجنح لها وتوكل على الله"... ويقول ... ويقول ...
وهان الأمر لو أنهم حين يهزمون روحيًا أمام هذه القوى لا يحيلون هزيمتهم إلى الإسلام ذاته .. ولا يحملونه على ضعف واقعهم الذي جاءهم من بعدهم عن الإسلام أصلًا .. ولكنهم يأبون إلا أن يحملوا ضعفهم هم وهزيمتهم على دين الله القوي المتين.
إن هذه النصوص التي يلتجئون إليها نصوص مرحلية تواجه واقعًا معينًا .. وهذا الواقع المعين قد يتكرر وقوعه في حياة الأمة المسلمة، وفي هذه الحالة تطبّق هذه النصوص المرحلية، لأن واقعها يقرر أنها في مثل تلك المرحلة التي وجهتها تلك النصوص بتلك الأحكام .. ولكن هذا ليس معناه أن هذه هي غاية المنى وأن هذه هي نهاية خطوات هذا الدين .. إنما معناه أن على الأمة المسلمة أن تمضي قدمًا في تحسين ظروفها وفي إزالة العوائق من طريقها حتى تتمكن في النهاية من تطبيق الأحكام النهائية الواردة في سورة التوبة والتي كانت تواجه واقعًا غير الواقع الذي واجهته النصوص المرحلية) [1] اهـ.
وهذا ما نفهمه من فقه هذه المراحل بتوفيق الله.
فالبلد المسلم الذي يقوم فيه فئة إسلامية قليلة مستضعفة .. عليها أن تباشر الدعوة إلى الله سرًا أو جهرًا، مبينة دينها ومقتضياتها كما نزله الله غير خائفة فيه لومة لائم .. وليس عليها أول قيامها أن تعلن القتال والحرب والصدام، ولكن يجب أن تكون هذه المراحل في منظورها ومنذ البدء .. وأنها تسعى للوصول إليها في نهاية المطاف، فهي ليست حركة دعوة وإصلاح وحسب .. وإنما حركة إعادة للبعث الإسلامي .. حركة جهاد لإقامة الحكم الإسلامي .. فعندما تتسع الحركة وتمتد ويكون لها أنصار .. فإنها تتعامل مع الواقع الذي تعيش فيه حسب واقعها .. ولكل مرحلة مقتضياتها ..
(1) طريق الدعوة في ظلال القرآن ص 219 - 220 باختصار.