إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تجمجم، إنها يجب أن تبلغ كاملة فاصلة، وليقل من شاء من المعارضين كيف يشاء، وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل .. والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في العقيدة، وعدم اللقاء في منتصف الطريق في الحقيقة ذاتها، فالحقيقة ليست فيها أنصاف حلول) انتهى كلام سيد رحمه الله [1] .
إنها كلمات مضيئة ... وليقف الدعاة أمامها قبل غيرهم وقفة تأمل .. فليس هذا التكليف بالبيان والإيضاح اختياري، إن شاء الدعاة فعلوه، وإن شاؤوا كتموه .. لأن الله تعالى قال:"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون".
معنى لا إكراه في الدين
إن ديننا الحنيف الذي جاء ليهدم عروش الطواغيت، ويسقط أنظمة الكفر والطغيان، قد ضمن للإنسان كرامته في ظل نظامه وشرعه .. وضمن له حرية اعتقاده، فنص على أن لا إكراه ف يالدين .. ولكن هذا المبدأ استغل استغلالًا مائعًا من قبل كثير من الناس، ومنهم كثير من الدعاة أنفسهم، فهل تُرك الحبل على الغارب في المبادئ والاعتقادات والصدع بالآراء دون ضابط، لأن الله تعالى قال:"لا إكراه في الدين"؟ يقول أبو الأعلى المودودي رحمه الله: (فالجهاد الإسلامي لا يتعرض لعقائد الناس ومناسكهم، أو مناهج شؤونهم الاجتماعية التي اختاروها وآثروها لأنفسهم، فلهم الخيار في أن يدينوا بما شاؤوا من العقائد، ولهم الحرية التامة في أن يختاروا ما استحسنوه من المناهج، لكنه لا يرضى أن تكون لهم الحرية في تسيير دفة الحكم، على منهاج ما أنزل الله من سلطان) ويقول سيد قطب رحمه الله: (إنه لم يكن من قصد الإسلام قط، أن يكره الناس على اعتناق عقيدته .. ولكن الإسلام ليس مجرد عقيدة، إن الإسلام كما قلنا إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، فهو يهدف إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر، وعبودية الإنسان للإنسان، ثم يطلق الأفراد بعد ذلك أحرارًا -بالعقل- في اختيار العقيدة التي يريدونها بمحض اختيارهم، بعد رفع الضغط السياسي عنهم، وبعد البيان المنير لأرواحهم وعقولهم .. ولكن هذه الحرية ليس معناها أن يجعلوا إلههم هواهم، أو أن يختاروا بأنفسهم أن يكونوا عبيدًا للعباد، أو أن يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله .. إن النظام الذي يحكم البشر في الأرض، يجب أن تكون قاعدته العبودية لله وحده، .. وذلك بتلقي الشرائع منه وحده [2] .
فليس مِنْ"لا إكراه في الدين"أن يجهر كل شيوعي وكافر ومارق بعقيدته ويدعو الناس إليها في دولة الإسلام، وليس من"لا إكراه في الدين"أن يُسفه حكم الله، ويذم ويوصف بالرجعية، ويدعى إلى تركه واتخاذ غيره .. من أديان القومية والوطنية والاشتراكية والديمقراطية، وليس من"لا إكراه في الدين"أن نُجْرِيَ استفتاءً تدلي فيه الجماهير برأيها، أنحكّم الشرع أم لا؟! وليس من"لا إكراه في الدين"أن تقوم حكومة فيها المسلم الملتزم الحاكم بشرع الله، وفيها الشيوعي وفيها الاشتراكي والديمقراطي والشيطاني في مجلس ائتلافي موصوف بالمدينة .. وبرلمان تقدمي موصوف بالديمقراطية .. هذا كفر وياسق عصري .. إن كل هذا مرفوض ولا يحتج عليه بلا إكراه في الدين ..
"لا إكراه في الدين"تعني أن يحكم الإسلام ويداس الكفر .. ويأمن المسلم وغير المسلم في بلاد الإسلام، ويعبد الله كيف شاء في رعاية وحماية وضمانة له، وأمان من دولة الإسلام.
(1) طريق الدعوة في ظلال القرآن.
(2) رسالة الجهاد- أبو الأعلى المودودي- حسن البنا- سيد قطب- رحمهم الله جميعًا.