فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 564

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: (هناك حقائق من طبيعة منهج هذه الدعوة التي لا يجوز للدعاة الاجتهاد فيها، وهي أن عليهم أن يجهروا بالحقائق الأساسية في هذا الدين ولا يخفوا منها شيئًا، وألا يؤجلوا منها شيئًا، وفي مقدمة هذه الحقائق، أنه لا ألوهية إلا لله، فهذه الحقيقة الأساسية يجب أن تعلن أيًا كانت المعارضة والتحدي، وأيًا كان الإعراض من المكذبين والتولي، وأيًا كانت وعورة الطريق وأخطارها كذلك. وليس من الحكمة والموعظة الحسنة إخفاء جانب من هذه الحقيقة أو تأجليه؛ لأن الطواغيت في الأرض يكرهونه أو يؤذون الذين يعلنونه، أو يعرضون بسببه عن هذا الدين، أو يكيدون له وللدعاة إليه، فهذا كله لا يجوز أن يجعل الدعاة إلى هذا الدين يكتمونه شيئًا من حقائقه الأساسية أو يؤجلونه، ولا أن يبدأوا مثلًا من الشعائر والأخلاق والسلوك والتهذيب الروحي، متجنبين الطواغيت في الأرض، لو بدأوا من إعلان وحدانية الله والربوبية، ومن ثم توحيد الدينونة والطاعة والخضوع والاتباع لله وحده، إن هذا لهو منهج الحركة بهذه العقيدة كما أراده الله سبحانه وتعالى، ومنهج الدعوة إلى الله كما سار بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتوجيه من ربه، فليس لداع إلى الله أن يتنكب هذا الطريق، وليس له أن ينهج غير ذلك النهج، والله من بعد ذلك متكفل بدينه، وهو حسب الدعاة إلى هذا الدين وكافيهم شر الطواغيت) . ويقول:(إن دين الله حقيقة تتمثل في الضمير وفي الحياة سواء ... تتمثل في عقيدة تعمر القلب، وشعائر تقام للتعبد، ونظام يصرف الحياة. ولا يقوم دين الله إلا في هذا الكل المتكامل، ولا يكون الناس على دين الله إلا وهذا الكل المتكامل متمثل في نفوسهم وفي حياتهم، وكل اعتبار غير هذا الاعتبار تمييع للعقيدة، وخداع للضمير، ولا يقدم عليه مسلم نظيف الضمير.

وعلى المسلم أن يجهر بهذه الحقيقة ويفاصل الناس كلهم على أساسها، ولا عليه مما ينشأ عن هذه المفاصلة والله هو العاصم)ويقول: (وحين يجمجم صاحب الدعوة ويتمتم، ولا يبين عن الفارق الأساسي بين واقع الناس من الباطل وبين ما يدعوهم إليه من الحق، وعن الفاصل بين حق وباطلهم، حين يفعل صاحب الدعوة هذا مراعاة للظروف والملابسات، وحذروا من مواجهة الناس بواقعهم الذي يملأ عليهم حياتهم وأفكارهم وتصوراتهم، فإنه يكون قد خدعهم وآذاهم، لأنه لم يعرفهم حقيقة المطلوب منهم كله، وذلك فوق أنه يكون لم يبلغ ما كلفه الله تبليغه، إن التلطف في دعوة الناس إلى الله، ينبغي أن يكون في الأسلوب الذي يبلغ به الداعية، لا في الحقيقة التي يبلغهم إياها، إن الحقيقة يجب أن تبلغ كاملة، أما الأسلوب فيتبع المقتضيات القائمة، ويرتكز على قاعدة الحكمة والموعظة الحسنة.

ولقد ينظر بعضنا اليوم فيرى أهل الكتاب هم أصحاب الكثرة العددية، وأصحاب القوة المادية، وينظر فيرى أصحاب الوثنيات المختلفة يعدون مئات الملايين في الأرض، وهم أصحاب كلمة مسموعة في الشؤون الدولية، وينظر فيرى أصحاب المذاهب المادية ذوي أعداد ضخمة، وأصحاب قوة مدمرة، وينظر فيرى الذين يقولون أنهم مسلمون ليسوا على شيء، لأنهم لا يقيمون كتاب الله المنزل إليهم، فيتعاظمه الأمر فيستكثر أن يواجه هذه البشرية الضالة كلها بكلمة الحق الفاصلة، ويرى عدم الجدوى في أن يبلغ الجميع أنهم ليسوا على شيء، وأن يبين لهم الدين الحق وليس هذا هو الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت