إننا نجد في فقه عمر بن عبد العزيز رحمه الله، ما يسوغ إبعاد الصادق صاحب الخير عن المسؤولية؛ إذا كان فيه نوع من حب الظهور والخيلاء، سدًا للذريعة وصيانة له من احتمالات الافتتان والجناية على نفسه وعلى الدعوة.
فقد روى أن الراشد الخامس لما ولي الخلافة، أرسل إلى أبي عبيد المزجي، وكان فقيهًا ثقة في الحديث من شيوخ الأوزاعي ومالك، وممن يستعين به الخليفة سليمان بن عبد الملك، فقال له عمر: هذا الطريق إلى فلسطين، وأنت من أهلها فالحق به، قيل يا أمير المؤمنين: لو رأيت أبا عبيدة وتشيره للخير، فقال: ذاك حق إلا ثقته كان أبهةً للعامة. (تهذيب التهذيب 11/ 158) .
ولقادة جماعات المسلمين أن يقولوا اليوم لكل داعية للسمعة والجاه، والمكانة الاجتماعية المرموقة، مثل الذي قال عمر بن عبد العزيز لأبي عبيد، ويفهموه أنه: قد أخطأت بداية الطريق إلى مرادك، فمررت بديار دعوة التواضع والبذل والالتزام الخطي، وهذه الطريق إلى ديار أشكالك فالحق بهم) اهـ. عن الفريضة الغائبة.
وهذا أمر خطير .. فالله تعالى يقول:"إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص"ولن يكون البنيان المرصوص بوجود عينات مثبطة خائرة العزائم مستكينة، ممن لا يكادون يسمعون بالجهاد إلا وتخور عزائمهم، فيعددون مزايا الأعداء وقواتهم وجيوشهم وبطشهم، ويذكرون ضعف المسلمين وهوانهم، وما تكاد تندلع أولى شرارات الصدام، حتى يقولوا ما هذا البلاء إلا بسبب كذا وكذا، ويجبنون وتنكشف حقيقتهم .. وينظرون نظر المغشي عليه من الموت. ولقد رأيناهم رأي العين في الجهاد في سوريا الشام ..
كما أنه لن يكون بنيانًا مرصوصًا وفيه دعاة همهم المنصب والموقع والقيادة، فإذا غابت عنه ورم أنفه وانتكس إنتاجه .. ولن تتميز الصفوة المجاهدة، ولن تنكشف حقيقة الأمر إلا بالجهاد والعمل والتضحيات .. وعندها على إمام المجاهدين أن يقف هذا الموقف الحازم الذي أقره الشرع، فيعمد إلى دعاة من هذه الأشكال فيقول لهم: ذاك الطريق إلى أشكالكم في دول الأمان فالحقوا بهم. ويقول للمنافقين المرجفين: قد كره الله انبعاثهم وثبطكم فاقعدوا مع القاعدين ..
الإيضاح والبيان واجب الدعاة الأول