وقال الشافعي: يجوز ذلك بشرطين: أحدهما: أن يكون المسلمون قلة ويكون المشركون كثرة، والثاني: أن يعلم من المشركين حسن رأي في الإسلام وميل إليه، ومتى استعان بهم وضح لهم ولم يسهم [1] (أي أعطاهم مكافأة ولم يشركهم في سهام المسلمين في الغنيمة) اهـ.
فهكذا ينبغي للمسلمين والمجاهدين بشكل خاص، أخذ الحذر من هذه المزالق الخطيرة، فإن كان علماء المسلمين قد اختلفوا في جواز الاستعانة، فمنهم من قال: إلا أن يكونوا خدمًا، ومنهم من قال: إلا أن تكون الدولة للإسلام، ومنهم من قال: لا يسهم لهم .. فأين هذا من الاستعانة بهم وهم يشترطون المشاركة في الحكم!! والدخول في حكومات نصفها جاهلية ونصفها إسلام .. نعوذ بالله من الضلال!!! فالأصل في الأمر حكم الشرع وليس الأهواء السياسية حسب رؤية المصلحية الوقتية.
تنقية الصف المجاهد
ذكر صاحب الفريضة الغائبة رحمه الله: (يذكر للسلف أقوال كثيرة في ذلك: فمثال كلام السلف الأول من ذلك، استعرض الإمام الشافعي في كتاب الأم لحوادث المنافقين المتتالية عن المشاركة في الغزوات النبوية الكريمة، وتنبيهه إلى من يشتهر في أجيال المسلمين بعد ذلك، بمثل ما وُصف به أولئك المنافقون فإنه يقاس عليهم، ويعاقب بمثل ما عوقبوا به، يقول الشافعي: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغزا معه من يُعرَف نفاقه، فانخذل يوم أحد عنه بثلاثمائة، ثم شهدوا معه يوم الخندق، فتكلموا بما حكى الله عز وجل من قولهم ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا، ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم بني المصطلق، فشهدوا معه، فتكلموا بما حكى الله عز وجل من قولهم ونفاقهم، وتخلف آخرون منهم فيمن تخلف .. ثم أنزل الله تعالى من أخبارهم بعزوة تبول فقال:(ولو أرادوا الخروج لأعدوا له ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين) قال الشافعي: (فأظهر الله لرسوله أسرارهم، وخبر السمّاعين لهم، وإيتائهم أن يفتنوا من معه بالكذب والإرجاف والتخذيل لهم، فأخبره أنه كره انبعاثهم، فثبطهم إذا كانوا على هذه النية، وكان فيهم ما دل على أن الله أمر أن يمنع من عرف، بما عرفوا به أن يغزوا مع المسلمين لأنه ضرر عليهم.
يقول الشافعي: فمن اشتهر بمثل ما وصف الله به المنافقين، لم يحل للإمام أن يدعه يغزو معه لطلب فتنة المسلمين، وتخذيله إياهم، وأن فيهم من يستمع له بالغفلة والقرابة والصداقة، وأن هذا قد يكون أشد ضررًا عليهم من عدوهم.
واستمر الفقه على هذا حتى استلم رايته ابن قدامة المقدسي فقال: (ولا يصطحب الأمير معه مخذل وهو الذي يثبط الناس عن الغزو، ويزهدهم في الخروج إليه، والقتال والمشقة، مثل أن يقول: الحر أو البرد شديد، والمشقة شديدة، ولا تؤمن هزيمة الجيش وأشباه هذا. ولا راجفًا وهو الذي يقول: قد هلكت سرية المسلمين وما لهم من مدد، ولا طاقة لهم بالكفار، والكفار لهم قوة ومدد وصبر، ولا يثبت لهم أجر ونحو هذا، ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار، وإطلاعهم على عورات المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم، ودلالتهم على عوراتهم، أو إيواء جواسيسهم، ولا من يوقع العداوة بين المسلمين، ويسعى بالفساد، لقوله تعالى:"ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا، ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة"ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزمه منعهم -المغني لابن قدامة 8/ 351.
غرور الفقيه يمنع تأميره
(1) لم يسهم لهم مجرد الغنيمة المادية. فكيف بمشاركتهم في الحكم كغنيمة من غنائم النصر. سبحان الله إلى أين وصل الضلال ببعض العاملين في الحركة الإسلامية. راجع التحالف الوطني - الجزء الأول.