ولكن إلى متى يبقى هذا الواقع المرير؟ تشرذم العمل الإسلامي بين نظرية مجردة تتحرك كجسد ضخم يمشي على أرجل من فخار، وبين أرجل تعدو بجسد هزيل بلا رأس ... نعتقد أنه آن الأوان ليقف منصف مفكر أمام نفسه وتجارب غيره من المسلمين، لإنهاء هذا الطلاق النكد بين الفكر النظري والعمل الجاد، لاستخلاص تصورات عملية تستند إلى قاعدة ثمينة من الثراث الفكري والتاريخي الهائل، متحركة بأساليب مجددة تناسب واقعًا في منطقة محددة، ولا من الاعتراف هنا بواقع مرير ناتج عن مرحلة الاستعمار القديم والحديث بكل أبعاده العسكرية والسياسية والثقافية والاقتصادية، والذي فرض ظروفًا متباينة إلى حد مرعب بين بقاع العالم الإسلامي، وفرض عليها تلك الحدود المصطنعة التي غدت واقعًا لا فائدة من نسيانه وتجاوزه، هذا الاعتراف لا بد أن يقودنا مادمنا في نطاق العقل والمنطق، إلى اعتراف آخر يفيد بأن طروحات عملية تولد في مكان ما، لا بد وأن تكون مناسبة لواقعها وابنة شرعية له، ولا يعني هذا بالضرورة أنها ملائمة ومفيدة لواقع بلد آخر، فقلما تتطابق الظروف وبالتالي الحلول، وقد تتشابه بنسب مختلفة، وقد تختلف إلى حد يجعل نظرية واقعية في مكان ما مستحيلة في مكان آخر، ويعتبر تطبيقها فيه ضرب من الخطيئة والبحث عن الفشل والخسائر وضياع الجهود [1] . إن هذا لا يعنين ألا يستفيد المسلمون من تجارب بعضهم في مكان أو آخر، وأن يتعظوا من تلك الظروف، بل يعني ألا تستعار تلك التجارب لتلبس جاهزة، فظروف بلاد العالم الإسلامي متشابهة في بعض الجوانب كخضوعها لطواغيت لا يقيمون شرع الله، ويتبعون في العمالة جهة من الجهات العدوة الكافرة، ويتعرض المسلمون ولا سيما الدعاة للحرب والنكال نفسه ..
(1) فظروف دعوة عريقة قديمة الجذور كتلك التي في مصر أو بلاد الشام أو الباكستان وتركيا ليست كظروف دعوة ناشئة يافعة كتلك التي في المغرب أو تونس أو بلد في قلب أفريقيا السوداء، ومعطيات الدعوة هنا وما توجبه المرحلة ليست كمعطياتها هناك، وظروف دعوة في بلد محتل كأفغانستان أو فلسطين أو سوريا ليست كظروفها في بلد آخر لا يعاني من هذه المشكلة وإنما يعاني من غيرها .. وما يفرضه الدين هنا قد لا يوجبه هناك.