الخ إلا أن الاختلاف يأتي في المرحلية التي تحياها الحركة الإسلامية، في واقعها الذي يفرض نوعًا من الحل الآني يناسب بلدًا ما، وقد لا يناسب بلدًا آخر في الجوار لتشابك العوامل والظروف والمؤثرات بشكل غاية في التعقيد، ولكن هذا لا ينفي التعاون والتشاور والتعاضد، بل والدعم بين تلك الحركات بشكل لا مركزي، فلا يمكن لهيئة مرشدين في المغرب أن تتصور الحلول وتفرضها على العاملين في المشرق، والدعوة التي قد يزينها أصحابها بالعالمية التي تطبع الدين الإسلامي والدعوة إلى الوحدة والعمل وفق هياكل ذات طبيعة دولية، لا شك أنها مقبولة ومفيدة على صعيد التلاقح الفكري والتراث العريق الواحد والمشترك، إلا أنها مثالية إلى حد بعيد، بل إنها معضلة حقيقية إن كانت ستعني ضربًا من التدخل في سير حركة ما في منطقة ما من آخرين غرباء عن واقعها، ولقد أعطت هذه التنظيمات الإسلامية ذات الطابع الدولي المثال تلو الآخر على أن كلمة الدولية التي تلحق باسم هذه التنظيمات، لا تعني أكثر من فكر مشترك منبثق عن ديننا الواحد -ولا شك في هذا- ولكنها لا تعني شيئًا على صعيد التظيم والعمل السياسي، ولطالما فشل -مثلًا- التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في حل مشاكل فرعه في سوريا حتى الداخلية منها، ولطالما كانت تلك الحلول حين طرحها بعيدة عن الواقع وليدة بنات أفكار أناس لا يعيشون ذلك الواقع ولا يفقهون منه شيئًا، في حين كان تعاونهم في مجال الدعم والإعلام عظيم الفائدة.
إن السنين الطوال من العمل الدعوي لإقامة حكم الله في بعض مناطق العالم الإسلامي عبر طرح البرامج، وإصدار البيانات وتدبيج الخطب وتوسيع القاعدة وكسب أنصار وفقدان آخرين .. ومعاناة من قسوة الطغاة وسفاهة حربهم وضراوتها، والاستمرار في الصبر والعناء أدخل كثيرًا من تلك الحركات في حلقة مفرغة. ولقد مرت عليها أوقات كان لها من الأنصار أكثر من واقعها الحالي. ولقد سجلت كثيرًا من تلك الحركات التراجع تلو الآخر كأدلة على الفشل والعجز عن تحقيق الهدف. لقد أصبح عمر الدعوة في بعض الأمكنة عشرات السنين، ومازالت تنحو عبر نفس الأساليب البالية، حتى اضطر أصحابها أن يصرحوا وبشكل مخجل أنهم لا يريدون الحكم، ولا ندري كيف يقيمون حكم الله إن كانوا لا يريدونه؟ ومن سيقيمه إن تخلّوا عنه هم وتركوا ريادته؟ وهل يبدو لهم منطقيًا ونحن نعيش ظروف تلك الأنظمة، أن أولئك الملاحدة والمارقين والمفسدين من حكامنا سيطبقوه ويهدوه لشعوبهم المسلمة إن نحن دعوناهم إليه ليل نهار، وأشبعناهم وعظًا وخطبًا، وتحملنا بلاءهم وقتلهم وسجونهم مئات السنين؟؟ أم أنه اعتراف العاجز؟ ولَيْته كان كذلك، إذًا لأكمل الدرب من يرى نفسه أهلًا له، إن التصدي للعمل والفشل المتكرر فيه والإصرار على التمسك بعنان ناقته جريمة مضاعفة .. هي الفشل المتكرر وعدم إعطاء الفرصة لمؤهل آخر.