فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 564

إن الطروحات والأفكار العملية المستخلصة من التجربة تولد من خلال العمل بعد أن تثبت فاعليتها وجدواها، ويحس بها القائمون بها ويستنيرون بأثرها ويتخذونها سبيلًا، وإن كثيرًا من تلك النظريات تولد متأخرة ولن لا بأس، وتكلف التضحيات وضرائب الفشل ولا ضير في ذلك، ولكنها على الأقل وليدة دروس كلفت أصحابها أنفسهم عناء التجربة، ولم تتنزل عليهم أعلى الهرم التنظيمي من آخرين لا يعنيهم الفشل ولا يكلفهم شيئًا من التضحية، تجربة تعلم أصحابها منها وتكيفوا مع ظروف شبيهة قائمة، إننا يجب أن نعمل حتى لا تذهب كل تلك التجارب التي كلفت الكثير من الدماء والعناء والجهد هباء ودون مقابل، يجب أن نستخلص منها تصوراتنا العملية الجديدة في الثبات والمتابعة. إن كل الانطلاقات تبدو متعثرة لأنها تنطلق من واقع مرير يشدنا إليه بكل تبعاته، وما ورثناه من أمرض ظروف وطروح ماضية ما تفتأ تشدنا إليها باستمرار، لنكرر أخطاء مرت بفعل معتقدات وتصورات ساذجة أحيانًا لها هيبة القدسية.

إن الفشل هو الذي يكلف الضحايا وغالبًا ما تكلف الهزائم أكثر بكثير من الانتصارات، ولكن الفشل درس ذو مردود مزدوج، فهو يزود العامل بغنى التجربة ويجمعها إليه ليجنبه نفسه وأقرانه تكاليف هزائم قد تقع وتكون أكثر تكلفة .. وهو بهذا بكون أكثر إغناء من النصر ذاته، لأن الظروف المؤدية للانتصارت قليلًا ما تتكرر، ولكن تلك التي تؤدي للفشل هي التي تتكرر كثيرًا. إن الطروح العملية التي تستخلص من تجربة تولد من خلال العمل والتوجه مباشرة نحو الهدف وبجدية، وتكلف الكثير من الجهد والدماء والعناء حتى تستخلص كنهج ناجح يثبت نفسه ونجاحه، وتقتضي أن يوجدها أصحابها العاملون بأنفسهم ..

وتتميز بالجدية والفاعلية والثبات وتحقيق النتيجة إن شاء الله، ولكنها تقتضي من القائمين عليها أن يتحلوا بالاستعداد للتضحية والثبات والإخلاص والعزم على الاستمرار فيفيد اللاحق من السابق، وهكذا تبقى النظرية مستندة إلى أصول فكرية راسخة على صعيد التصور والهدف، وإلى أساليب متطورة باستمرار على صعيد التجربة والعمل.

وطالما أن العمل الإسلامي سيبقى حبيس نظريات مقيدة متحجرة لا تناسب واقعها وتثبت فشلها كل يوم، وطالما أنها تتنزل على العاملين كأوامر علوية من آخرين لا تكلفهم التضحيات شيئًا ... وطالما أن المندفعين للعمل منبتون عن إرساء قواعد انطلاقهم الفكرية والنظرية من خلال التراث والتجربة، ومنطلقون للتطبيق بلا طرح نظري فكري واضح .. فإننا مدعوون للأسف لمزيد من الضحايا والعذاب حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

فإذا عدنا لتجربتنا الإسلامية الجهادية في سوريا الشام وعلى مر خمسة عشر عامًا من الجهاد والصدام المسلح مع الطاغوت النصيري المحتل ... نجدها قد أنارت لنا سبلًا من العمل، وأورثتنا تجارب تمكننا من استخلاص نظريتنا العملية الخاصة على صعيد التجديد الفكري والنظري، وعلى صعيد بلورة الهدف ووضوح الطرق إليه. ولقد كانت أكثر ثراء من عشرات السنين التي مرت دون تحرك جاد نحو الهدف المنشود على ما في تلك السنين من فوائد وتجارب .. وكان من أولى فوائدها أن تعلمنا فيها كيف نجد طريقنا للطروح العملية المنبثقة عن تجربة في العمل، وما هو الفارق بينها وبين النظرية المجردة وليدة بنات الأفكار، والمصاغة ببيان ساحر فصيح. لقد شقت طلقات المجاهدين الطريق الصعب نحو الهدف مباشرة، ولقد روته دماؤهم، ولا شك أن أخلافهم مدعوون للسير والثبات لإغناء التجربة والاقتراب من الهدف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت