وأما الكتاب الثاني أو الجزء الثاني فيغلب عليه التأصيل الفقهي والسياسي الشرعي لكثير من المفاهيم الهامة والضرورية للانطلاقة الجهادية، فهو أصول وذخيرة فكرية يتعذر الانطلاق بدونها، وهي معتقدات وتصورات وفقه يمثل خلاصة ما اعتقدناه ونحن نحمل السلاح في سبيل الله، بل خلاصة ما توصلنا إليه من مبادئ وأفكار وأساسيات لا يمكن الانطلاق بالسلاح في سبيل الله إلا بعد التشبع بها وبأكثر منا في هذا الإطار، وهي التي تميز المجاهد العارف عن المحارب الذي قد ينقلب إلى قاطع طريق لا سمح الله.
وهكذا أعيد التأكيد على إخواني الذين قرأوا الفصول الأولى وتوقفوا، أو قرأوا الكتاب ولم ينتبهوا إلى هذه الجوانب أن يعيدوا قراءته مرة ثانية فإنهم يقرأون في حروف مرصوفة قليلة، عبر دماء جرت وأعصاب احترقت وعواطف تأججت ودموع انسكبت ودعوات جأرت إلى بارئها من خلال راية الجهاد التي ارتفعت يومًا في سبيل الله في تلك الربوع التي باركها الرحمن وكتب على أهلها أن رجالهم ونساءهم وعبيدهم وإماءهم في رباط إلى يوم القيامة ولم يكن الفصل الأول من اكلكتاب إلا سردًا تاريخيًا موجزًا لفصل قصير من مسرحية طويلة لم تنته بعد.
3 -الملاحظة الثالثة سأضمنها الرد الموجز على بعض المزاعم والتنطعات التي سمعتها أو بلغتني عن بعض شخصيات الإخوان المسلمين السوريين ومن على شاكلتهم من أصحاب مذهب العصمة الكهنوتية الذين لا يجيزون النقد البنّاء ولا غيره، ولا التلميح ولا التصريح و النصح ولو كان على سبيل العبرة وترشيد المسيرة طالما حوى شيئًا ولو يسيرًا من النقد لهذه المدرسة المقدسة وآياتها الذين ابتلي بهم العلم الإسلامي المعاصر. وأُجمل هذه الانتقادات التي سمعتها بما يلي:
1 -أن ما يذكره الكتاب هو نشر لغسيل الحركة الداخلي على السطح، وهو وإن كان صحيحًا لا يجوز، لأنه يفضح العمل الإسلامي ويشمت أعداءه، فإذا كان لابد من نصحية بناءة فلتكن إسرارًا لا إعلانًا.
2 -أن ذكر أسرار العمل الإسلامي وخبايا حركة إسلامية تخوض حربًا مع النظام النصيري سفيد العدو قبل الصديق بما يضع تحت يده من مادة معلوماتية كثيفة وأسرار وأسماء لا يجوز البرح بها.
3 -أن الكتاب يحوي تجريحًا بشخصيات متعددة لها تاريخها المجيد في العمل الإسلامي وهذا لا يجوز.
4 -الانتقاد الرابع جاء من جهة معاكسة وهم بعض الإخوة من تنظيمات جهادية، إذ اعتبروا أن الكتاب لين أكثر من اللازم مع الإخوان وأخذوا عليه أنه يركز ويتبنى بعض نظريات العمل والفكر الإخواني.
هذه أهم الانتقادات التي سأفندها في هذه الملاحظة إن شاء الله، أما التعليقات الأخرى التي كان معظمها تشكيكًا وتجريحًا في الكتاب، وتكذيباص في بعض الأحيان لما جاء به، أو تقليلًا من شأنه أو طعنًا بمن كتبه حيث حاول هؤلاء المدافعون عن باطل من يدافعون عنه الرجم بالغيب لتحديد كاتب الكتاب وقدّروا جملة من المتهمين وراحوا يجرحون فيهم، وهي طريقة لا تستأهل الهبوط إلى مستواها للرد عليها فيكفي ما في الكتاب من توثيق يدين من يريدون تبرئته ويكفي المئات إن لم يكن الآلاف من شهود المرحلة ممن عايش الأحداث أو احتك بها وجلهم أحياء، وتكفي طريقتهم الهابطة في الدفاع عن تكلف الرد عليها.
أما الرد على النقطة الأولى فنقول والله المستعان: أنه يكفي فيها قول سيد قطب رحمه الله الذي يعتبر قاعدة ذهبية في العمل الحركي الإسلامي قوله: (إن تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج) . وإذا كان لا بد من الانحياز لأحدهما فإننا منحازون قطعًا للمنهج السوي ولو أدى هذا لكشف المنحرف وتعريته وإسقاطه بعد أن تُستنفذ معه كل أسباب الإصلاح والرد إلى الصواب.