فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 564

وعلى هذه الحركات الإسلامية أن تفهم كما فهم المجاهدون السوريون وبعد طول جهد وعناء وخسائر، أن هذا النوع من الحرب لا يحتاج إلى تلك الهياكل التنظيمية المعقدة الشبيهة ببناء المؤسسات البنكية والتجارية، إنه التنظيم العسكري بكل ما في هذه الكلمة من معنى، لخدمة غرض محدد ضمن منهج محدد، لا مجال فيه للتسيب والتراخي والروتين والاعتبارت الباهتة، التي فشت في مؤسستنا الدعوية الهرمة عبر الزمن وجو السلم والرخاء، إن الشورى والحزم والضبط وسرعة الاتصال وإيجابيات القرار الفوري الحكيم والسريع والمرونة والحذر والخفة، هي التي يجب أن تترفر في حركة من هذا الشكل ترتبط القيادة فيها بفروعها بخيط مركزي قوي في خطوط العمل العريضة، تاركة أوسع مجال من اللامركزية للقيادات المتسلسلة حتى قيادة مجموعة لتتصرف ضمن الممكن والحكمة بما يقتضيه الظرف والضرورة بعد أن تكون قد أعدتها وهيأتها وعبأتها عقيديًا وسياسيًا وفكريًا.

ولا شك أن بين أغلب التنظيمات الدعوية القائمة -ونعني المعنية بالجهاد وإقامة حكم الإسلام- وبين هذا المستوى من التنظيم الدقيق والفاعل بون شاسع يحتاج إلى ثورة حقيقة داخل تلك الحركات، على صعيد العقلية والهياكل والمؤسسات، حتى تعاد صياغة تلك الحركات من جديد بما يناسب هذه المعركة لإخراجها من أسلوب عمل البدو والرحل الذين يعيشون في رخاء وبحبوحة، إلى أساليب عمل معاصرة وجادة تناسب قوة ووعي العدو ومن يقف خلفه.

إن حرب عصابات إسلامية ثورية ناجحة بإذن الله، لا بد لها بعد تأييد الله أولًا وآخرًا من الأخذ بالأسباب، ولا بد لهذه الحرب من أن تتوفر لها عوامل أساسية:

1 -وجود تنظيم إسلامي طليعي جهادي، يتصدى لبلورة مجموعة من الشعارت والأهداف التي تنطلق من واقع المسلمين في البلد المعني، وتجسد واقع حياتهم وأمور دينهم ودنياهم، وينطلق لقيادة تلك الجماهير على مستوى المسؤولية.

2 -أن تستند هذه الحرب إلى جماهير المسلمين وتنطق باسمهم وتعبئهم، ليكون منهم خطوط رفدها بالجنود والمؤن والدعم والمعلومات، وعلى هذه الحركة أن تتحرك في وسط الجماهير التي تشكل لها سياج حماية وتخفي، لا يستطيع النظام مواجهتها إلا بمواجهة الجماهير بحرب إبادة شاملة، وهو ما لا يستطيعه لأن هذا يحدد نهايته.

3 -وجود الظرف الذي يقتضي ويبرر الثورة من الظلم والطغيان والعسف وغياب الحكم الإسلامي، وتعبئة الجماهير حتى يتفهموا هذا الأمر، ولا شك أن معظم بلاد الإسلام تعيش هذا الظرف القاهر بنسب متفاوتة.

4 -الانطلاق ضمن خطة شاملة متكاملة، تعتمد نهجًا استراتيجيًا، يضع في التصور خطوطًا عريضة للعمل وفق ما يقتضيه الواقع بكل معطياته، ثم الاعتماد على التجربة الذاتية والتعلم منها والانطلاق في تصحيحها، والذي غالبًا ما يلكف بضع سنوات وعدة انتكاسات باهظة التكاليف.

فإذا توافرت هذه العوامل وتوفرت للحركة الإسلامية قيادة مصممة عازمة ثابتة، قدوة على صعيد الفداء والعمل، فلا شك أن الفرصة على صعيد عالم الأسباب تكون مواتية، ويبقى النصر بيد الله يؤتيه من يشاء ومتى يشاء، ولا شك أن وعده الصدق"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا بالحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" [1]

(1) للمزيد عن حرب العصابات تابع البحث في الفصل الثالث من الجزء الأول (التجربة والعبرة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت