إلا أن في السنوات الأخيرة التي حملت كثيرًا من الانحراف الفكري والمبدئي لكثير من قادة الحركة الإسلامية، حملت فيما حملت طروح التحالفات السياسية في هياكل واحدة للمعارضة مع أحزاب علمانية جاهلية كافرة مرتدة، ولعل أكثر ما ظهر هذا جليًا في التحالف السياسي الذي بحثناه والذي أقدم الإخوان المسلمون في سوريا عليه مع حزب البعث اليميني بشكل رئيسي، ومع الأحزاب القومية الاشتراكية الأخرى، وكذلك في تحالف الإخوان المسلمين المصريين مع حزب الوفد العلماني الجاهلي وغيره من الأحزاب العلمانية فيما بعد، وكذلك بصورة أقل أو أكثر وضوحًا من هذا في مناطق أخرى .. وبالطبع ورغم أن هذا الأمر في حد ذاته غير جائز شرعًا من حيث المبدأ لأنه ثبت بطلانه وعدم شرعيته بما حمل الإسلاميين عليه من تراجعات مبدئية، وأنصاف حلول ومداهنات لإرضاء الحلفاء الجاهليين .. إن أقل ما يقال في روابط من هذا النوع بين الإسلاميين والجاهليين أنه زواج غير شرعي .. مبتذل، قصير العمر. فما موقف الإسلام يا ترى من هذا الأمر .. وبالتالي ما موقفنا منه؟ .. معاذير كثيرة اتخذها الإسلاميون: حالة الاستضعاف .. إرضاء القوى العظمى لأنها ترفض الإسلام وتعتبره إرهابًا .. الاستفادة من جهود الغير .. تأليف القلوب .. خشية الأعداء .. إلى آخر هذه القائمة من المعاذير .. ولما كانت السياسة والأهواء والنظرة المصلحية هي الحكم الشرعي في هذا الأمر لديهم، فقد جاءت الخطوات مثقلة بالتراجعات الشرعية والهفوات التي أوصلتهم لشفير الهاوية .. وأي هاوية! هاوية الضلال والكفر! ولعل أكبر ما وقع الإسلاميون به في هذا المجال أربعة أمور ..
أولها: أن هذا التحالف جرى مع قوم يفترض أنهم مسلمون، وهم باعتقادهم عدم صلاحية الإسلام للحكم وباستبدلهم إياه ببرامج آتية من شرق أو غرب أصبحوا أناسًا مرتدين .. وقد أجمع العلماء على عدم جواز التحالف مع مرتد بل أجمعوا على حل دمه وماله وحرمة التزاوج معه ورفض التعامل معه ودفنه في مقابر المسلمين إلى آخر أحكام المرتدين الشار إليها في كتب الفقه ...
ثانيًا: أنهم تورطوا بوعدهم في المشاركة في الحكم سوية بعد انهيار الأنظمة الحالية أو صرحوا بحق الجميع بالمشاركة .. المشاركة في أجواء ما سمي بالديموقراطية .. والحريات السياسية .. الخ .. مما لا يجيزه الإسلام. ولئن كان قد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه تحالف مع مشركين أو أهل كتاب -وليس مرتدين- في ظروف خاصة، فإنه لم يرد عنه إطلاقًا أنه قبل أن يكون أحد من هؤلاء الحلفاء شريك معه في حكم مستقبلي، بل ورد الدليل على رفضه هذا الأمر، ولا يكون الحكم من وجهة النظر الإسلامية إلا لله ممثلًا بقيام الجماعة الإسلامية عليه لتحم بما أنزل الله، ولتقطع دابر كل أشكال الكفر الذي تعد مبادئهم أحد أشكاله.
ثالثًا: أنهم اعترفوا بهذه الأحزاب والهياكل بتحالفهم معهم وأعطوها شرعية الوجود من وجهة نظر الإسلاميين .. بل لقد تورطوا أحيانًا بالثناء عليهم واعتبارهم مسلمين رغم طروحاتهم المرتدة كما جاء في تصريحات بعض الزعماء الإسلاميين.
رابعًا: أنهم خسروا كثيرًا من القواعد الإسلامية التي تربت على أفكار التمايز والمفاصلة والولاء الواضح، لما رأت هذه القواعد أن قيادتها قد انحرفت عن الجادة .. وبذلك فقد ساهمت هذه القيادات في تصدع الصف الإسلامي تصدعًا خطيرًا ... واستبدلت بالصديق -إن جاز التعبير- أبناء الدعوة البررة.
إن هذا الخطأ الجسيم الذي وقعت به بعض الحركات الإسلامية هو ماكان يوده هؤلاء الأعداء -الأصدقاء المرحليون- ولقد عبر القرآن الكريم عن هذا عندما قال تعالى:"ودّوا لو تدهن فيدهنون".