للحلف، ولكن يؤاخذكم بما عزمت عليه قلوبكم، وانعقدت عليه نياتكم وتوجهت إليه قصودكم، من قصد الحلف به عز وجل. ولما علم الله من النفوس ما علم من تسرعها إلى عقد القلوب وعزمها بالحلف به عز وجل حيث لا ينبغي التسرع (( أو حيث يكون الندم بعد مضي الحلف وعقد اليمين به عز وجل، اقتضت رحمته العلية أن يجعل لعباده مخرجا من هذا المضيق، فشرع لهم الكفارة في آية المائدة، وذلك أن ناسا من الصحابة رضي الله عنهم اشتدت رغبتهم في العبادة وظنوا أنهم لا يبلغون ما يريدون منها إلا بترك الطيبات: من تزوج النساء وأكل ملاذ الحلال، وحلفوا بالله ألا يتعاطوها حتى يلقوا ربهم، فأنزل الله:(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) ... الآيتين. فقالوا يا نبي الله ما نصنع بأيماننا؟ فأنزل الله الآية الثالثة: (لا يؤخذاكم الله باللغو في أيمانكم) : الآية كالآية في سورة البقرة وزادهم عليها هذا الفضل الأوسع والرحمة البالغة، وهو مشروعية الكفارة فلله الحمد على فضله الذي لا يحصى.
فقال سبحانه: (فكفارته إطعام عشرة مساكين) ... الآية أي إذا أردتم الخلاص من مضيق الحنث ونقيصة الإخلال بما يجب لنا من تعظيم الحلف بنا، فقد شرعنا لكم الفعلة التي تذهب تلك النقيصة عنكم وتكفر (أي تستر) حوب هذا النقص، وزلل هذا النكث، وهو الإتيان بإحدى تلك الخصال المذكورة فل الآية.
وانظر إلى هذا الفضل منه عز وجل حيث لم يصفها بأنها ساترة فحسب بل بالغ سبحانه في هذا الستر الذي يكون بتلك الفعلة من وجهين بصيغة المبالغة وبالتاء، وذلك لما وقر في النفوس من بلوغ حرمته عز وجل الحد الذي لا يقادر قدره، الذي يعظم معه عند عارفه نقيصة انتهاك حرمة