بتحكيمهم من حكموا من أصحابهم. وقد رد عليهم أمير المؤمنين أبلغ الرد بما هو مبسوط في محله. وقد سبق لك موقف الصحابة مع القدرية المنكرين للقدر فيما ذكرنا لك عن عبد الله بن عمر. ولما ظهر جهم بن صفوان بما ظهر من مخالفة هذه الأصول وأنكر منها ما أنكر؛ ورد عليه مقاتل ابن سليمان ببدعة أخرى، رد عليهما الأئمة الكبراء أبلغ الرد. وكان منهم الإمام الأجل أبو حنيفة النعمان بن ثابت قال كما في تهذيب التهذيب (( أتانا من المشرق رأيان خبيثان، جهم معطل ومقاتل مشبه ) )أفرط جهم في النفي حتى قال إن الله ليس بشيء، وأفرط مقاتل، في الإثبات حتى جعل الله تعالى مثل خلقه اهـ. وصدق رضي الله عنه فإن مقاتلا هذا بالغ في نسبة صفات لا تليق به عز وجل فأثبت له سبحانه ما يتقدس الرب عنه عز وجل من الجسمية ولوازمها. وبالغ جهم في نفى ما يجب له سبحانه من الصفات التي أثبتها لاعقل والنقل كالحياة والعلم والقدرة إلى بدع أخرى مكفرة، كالقول بفناء الجنة والنار ومن فهما، وذلك كفر صريح فإن خلود الجنة والنار وأهلهما أبدا سرمدا مما تواتر به الكتاب والسنة. وأجمع عليه الصحابة والتابعون لهم بأحسان بل ذلك مما تواتر من دين الأنبياء أجمعين. ولما اتصل بعض هذه الفرق الزائغة ببعض الخلفاء العباسيين وكانت لهم المكانة عنده، وأخذوا يتكلمون في أن القرآن مخلوق، وأوغروا صدر الخليفة على أهل العلم، ورموهم بالدين، وبأنهم يعتقدون الأكاذيب ويروون ما لا يعقل، ويكفرون من حيث لا يشعرون، هاجت فتنة عظيمة كان وقودها كثير من أهل السنة واستدعى فيها الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ليحمل على القول بخلق القرآن، وعذب وأهين