كتاب الله تعالى من القرائن اواضحة عند المستبصرين على صرف الظواهر الموهمة لما اعتقدوه في الله تعالى من الجهة وما إليها مما يستلزم الجسمية عن هذه المعاني المتبادرة للعامة إلى ما يليق به عز وجل، كما تقتضيه اللغة العربية وتصرفات ألفاظها في وجوه الاستعمالات المتنوعة من الكناية والمجاز بالاستعارة وغيره، فكان ذلك منهم زلة تتقى ولا يقلدون فيها، بل يحذر منها كما قال صلى الله عليه وسلم (اتقوا زلة العالم) وكذلك فعل السلف والخلف، فنصحوا للأمة ألا ينبعوا أولئك الزالين فيما زلوا فيه مع الاعتراف بإمامتهم فيما أحسنوه من الفنون، فشكر الله تعالى سعيهم، ومحال عند من يعرف عناية الله تعالى بهذا الدين الأخير، الذي هو دين الإنسانية كلها؛ بل الدين الذي دعيت إليه الإنس والجن ــ محال في الحكمة العلية، أن يوفر الدواعي على التخصص في علم فروع الدين، حتى يكون فيه الأئمة المبرزون، ولا يوفر الدواعي على التميز في علم أصول الدين، حتى يكون فيه السادة القادة المحققون، بل لعلم أصول الدين المحل الأول والمقام الأرفع، بين علوم الدين كلها؛ ولذلك كان له النصيب الأتم من عناية علماء الأمة، سلفهم وخلفهم، فكلما كثرت البدع والمبتدعة يسر الله من أهل الحق من هم أكثر عددا، وأبين حججا، وأوضح محجة، فحاموا عن دين الله تعالى بالألسنة والأقلام، وجاهدوا في الله حق الجهاد، ففي كل عصر منهم نجوم هادية، وشموس مرشدة، وسيوف للباطل ماحقة، فعقدوا المجالس، وألقوا الدروس، وصنفوا المصنفات في هذا العلم الشريف، علم أصول الدين وما لهم لا يفعلون؟ وفي كتاب الله عز وجل البراهين الساطعات، والآيات البينات، والمخرج من جميع الشبهات، لمن أحسن فيه النظر، فمن ظن بسلف الأمة أنهم أهملوا علم العقائد حتى يجيء هذا الخارج وذاك المارق