في الحقل، وقد ثبت أنه ليس في الدار ولا في الحقل فهو إذا معدوم) فهذا حكم فاسد غلب على وهم صاحبه من كثرة وجوده في أحد هذين الموضعين أما العقل فإنه لا يحكم بعدمه بمقتضى هذين الفيين لأن من الجائز أن يكون في المسجد مثلا ــ وإنما قلنا (من بعض الوجوه) لأن هذا الكلام انفصال مانع جمع فظنه الواهم انفصالا حقيقا، فحكم حكما كاذبا ولو أردنا بيانه على الوجه الصحيح لقلنا ولسنا فيما نقول نعدو الحقيقة ــ إن شاء الله ــ إن مثل هؤلاء الواهمين القائلين على الله بما لا يجوز عليه كمثل صبي لم يتكامل إدراكه بعد، ولم يستأهل لدخول المدرسة فوجد في داره حوضا ممتلئا ماء وفي دار جاره مثل ذلك وكان هذا الحوض يسمى له بحرا فسمع مرة بالبحر الذي يقال له (المحيط الإقيانوسى) فنفاه وكذب بوجوده واستدل هكذا: البحر إما في دارنا أو في دار جارنا، فإذا كان هذا البحر الذي تذكرونه لا في داري ولا في دار جاري فهو معدوم قطعا فهذه القضية المنفصلة القائلة (البحر إما في الدار وإما عند الجار) إذا حمل موضوعها على ما هو البحر حقيقة كانت كاذبة لا صدق لها أصلا، ولكن الذي ساق إليها الوهم الكاذب والظن الخاطئ وهو ظن أنه لا بحر إلا ذلك الحوض فإذا كبر وعقل فهم قطعا أن ذلك الحوض لا يطلق عليه جدول فضلا عن أن يكون نهرا ــ بله كونه بحرا ــ ودع كونه محيطا، فكذلك هؤلاء الواهمون لما لم يزوا ولم يلمسوا ولم يحسوا بموجود إلا وهو جسم ومن لوازمه أن يكون في مكان وفي جهة وبينه وبين أخواته من الأجسام إحدى هذه النسب الجثمانية ــ حكموا بذلك على الموجود الحق، والخالق العلى بما حكموا به على ما عرفوا من تلك الموجودات المحصورة في قيود الإمكان ولوازم الحدوث، ولو أمدهم الله بالنور الذي