هذه الكلمة العلية وهي قوله عز وجل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فإنه قد روعي فيها من خصائص التراكيب العربية، وأسرار بلاغة القرآن العلية على قلة كلماتها، ما يجلى لك علو شأن ربك في كمال التقدس، وجلال التنزه، في أسنى الحلل وأروع الصيغ: وذلك أن العبارة المعتادة في هذا أن يقال (ليس شيء يشبهه عز وجل) فأتى بهذا التركيب في هذه الصورة (ليس كمثله شيء) قدم فيه الخبر وهو الكاف إن جعلت اسما، أو متعلقها إن قدرت حرفا، وأتى بلفظ مثل بين الكاف وضميره عز وجل، وأتى بالمسند إليه وهو. شيء مؤخرا منكرا في سياق النفي المدلول عليه بليس، ولم يصرح بنفي مشابهته سبحانه للشيء وإن كان لازما، وإنما جعل المصرح به نفى مشابهة الشيء لمثله، مكنا به عن نفي مشابهة شيء له، وترك التصريح بالوجه الذي نفيت المشابهة فيه وكل هذه اعتبارات لها دلالتها على أسرار تأخذ بلب البليغ الحاذق، واللبيب الفطن، وكأن الآية تقول: ليس شيء من الكائنات ــ وإن علا في الشيئية كعبه، وارتفعت عندكم درجة وجوده، وامتاز لدنكم في كمالاته الفائقة ــ ببالغ درجة أن يشبه مثل جنابه العلى عن الأمثال في شيء مما هو عليه عز وجل في تقدس ذاته وجلال صفاته. والعرب إذا أرادت المبالغة في الإثبات أو النفي قالت (( مثلك من يجود، ومثلك لا يبخل ) )لتدل بالإتيان بلفظ المثل على الإثبات والنفي لما أثبتت أو نفت عن المخاطب بطريقة برهانية على سبيل كناياتهم البديعة، فكأنهم يقولون: من كان على ما أنت عليه من الصفات فقد ثبت له كذا أو نفى عنه كذا، فأنت أولى بذلك الإثبات أو النفي. وقد خاطبهم القرآن على أروع أساليبهم، وزاد هذا الأسلوب على ما يخطر لأفصحهم بيانا بدرجات لا تحصى. فكأنه تعالى