الصحابة وفقهاء التابعين ومن بعدهم من الأئمة الأربعة وشيوخهم ونظرائهم والعلماء يتوافدون لزيارته عليه الصلاة والسلام وللصلاة في مسجده من كل فج عميق. وقد كان القائم على توسيع المسجد الذي حصل به إدخال الحجرة الشريفة فيه، عمر بن عبد العزيز أيام ولايته على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك. ثم آل إليه أمر الخلافة فكان الخليفة الراشد الذي أحيا سيرة جده أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فكانت أيامه غرة في جبين الدهر. وأقر ذلك ولم يغيره ولا أنكر ذلك من يعتد بقوله من علماء الدين وقد علمت أنهم جعلوا بناء الحجرة الشريفة مثلث الشكل بحيث لا يتأتى للمصلين استقباله في صلاتهم، واستفيد من ذلك أمور، منها أن معنى اتخاذ القبور مساجد الذي وقع النهي عنه واللعن على فعله إنما هو أن يقصد بالصلاة إليه أو عليه إعظاما للقبر أو للمدفون فيه، من نبي أو صالح، كما يقصد المسجد بالذهاب إليه للصلاة فيه كما مر قريبا، ومنها أن المرار ببناء المسجد على القبر الذي نهى عنه هو أن يكون بناء ذلك المسجد من أجل الصلاة إلى القبر تعظيما للمقبور أو لقبره، فهذا هو الذي يكون ذريعة للشرك، ولذلك خصه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عنه. أما إذا بنى المسجد عند القبر أو حول البناء الذي هو فيه لا لهذا الغرض بل لما تبنى له المساجد من التعبد فيها لله بالصلاة والذكر وغيرهما من أنواع العبادات التي يتوجه بها لله وحده، لا لإعظام القبر ولا لإجلال من فيه فليس ذلك بمحرم ولا مكروه بل هو قربة من أفضل القرب الداخلة في قوله صلى الله عليه وسلم: (( من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ) )رواه الشيخان وغيرهما ولم يقيد فيه المسجد بقيد أصلا، فهو شامل لما كان بجوار قبر وما لا يكون، والتخصيص بلا دليل بل مع قيام الدليل على خلافه باطل قطعا.