ولما جدد أمير المؤمنين عثمان بن عفان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووسعه ربناه بالحجارة بدل اللبن وأعلا بنيانه وسقفه بالساج لم ينتقده أحد من الفقهاء في عصره بأنه بناه بجوار القبر الشريف، وإنما انتقده بعض الضعفاء بتحسين البنيان وتعلية السقف، فاحتج رضي الله عنه عليهم بالحديث السابق وقال: إنما فعلت ما فعلت رجاء أن يوسع الله لي في بيتي الذي يعطينيه في الجنة يزيده حسنا.
ومن تأمل واختبر مقاصد المسلمين في المساجد التي يتخذونها بجوار قبور الصالحين علم قطعا أنهم لا يريرون بها الصلاة إلى قبورهم، ولا عليها تعظيما للصالحين أو لقبورهم، وإنما يريدون أن يتعبد فيها لرب العالمين، وطلب البركة بالقرب من الصالحين، وحصول الخير بجوارهم رضي الله عنهم، وكذلك من ذهب من المسلمين إليها للصلاة فيها لا يقصد الصلاة إلى قبورهم ولا تعظيمهم بالصلاة عندهم. وإنما يقصد البركة بقربهم وحصول الرحمة بزيارته لهم، فليس ذلك مما يتناوله الوعيد. وإنما هو مما يحصل به في الخير المزيد.
ويستفاد مما سبق أيضا: جواز البناء حول قبور الأنبياء والصالحين من غير كراهة صيانة لقبورهم أن تمتهن، وأن النهي عن البناء حول القبور ليس عاما في جميع القبور.
ودليل العلماء رضي الله عنهم على ذلك واضح مكشوف. فقد دفن صلى الله عليه وسلم في حرة مبنية ودفن بعده فيها أبو بكر ثم عمر، وليست أرض الحجرة الشريفة بعده صلى الله عليه وسمل بمملوكة لهما ولا لغيرهما، فإن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون. ولو كان البناء غير جائز لهدموه قبل