باستثناء ما بنى على قبور الأنبياء والصالحين كقبة الإمام الشافعي وغيره ــ من حرمة البناء، بل وكراهته حتى في المسبلة كما مر نقله وإقامة الحجة الواضحة عليه لإحياء ذكرهم، والتقرب إلى الله بزيارتهم، تبركا بهم، ولحفظ مقابرهم الشريفة من الاندثار؛ ولعل التفقه الدقيق في أدلة المسألة يعطيك أن هؤلاء القائلين بهذا الاستثناء أعمق فقها، وأقوم حجة، وأوضح محجة، وأن قول القائلين بهدم قبور الصالحين هو أولى بالهدم، وفي البناء على قبور الشيخين أبي بكر وعمر في الحجرة الشريفة المعظمة وهي غير المملوكة لهما ــ من أفقه فقهاء عصره عمر بن عبد العزيز، وإقرار الحجة من العلماء عليه ــ أكبر معول لهذا الهدم، وليس في هذا القول منافاة لحديث جابر عند مسلم وأبي داود وغيرهما من نهيه صلى الله عليه وسلم أن يبني على القبور فإن التخصيص للعام والتقييد للمطلق عند قيام الدليل عليه غير مستنكر وقد اتفق كل علماء الشافعية على أن الهي عن البناء على القبور محمول على ما إذا لم تدع إليه حاجة، فإذا دعت إليه حاجة كالخوف من نبش سارق أو سبع وكتخرقة سيل للقبر فلا كراهة للبناء في غير المسبلة؛ ولا حرمة له في المسبلة ويكون حينئذ وضع البناء بحق فلا يحل هدمه؛ ويرجع حاصل كلامهم هذ إلى استنباط معنى لحكم العام أو المطلق يعود عليه بالتخصيص أو التقييد وهو سائغ شائع بين أهل الفقه في الدين كما قالوه رضي الله عنهم في قوله تعالى (أو لامستم النساء) حيت خصصوه بمن بلغا حد الشهوة عرفا؛ كما هو مبين في موضعه؛ فلأصحاب هذا القول أن يقولوا إن النهي عن البناء على القبور مكروه أو محرم حيث لم يكن غرض صحيح شرعي أما إذا كان فلا حرمة ولا كراهة؛ والنظر الصحيح في الشريعة المطهرة يشاهد