لقلوبهم عامرة؛ فأي شدة أكبر من شدة يوم القيامة حين تطول الوفقة، وتشتد الزحمة، ويتضاعف الحر، ويلجم العرق من شاء الله. ومع عظم هذه الشدة وبلوغها الغاية قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( وبينما هم كذلك استغاثوا بآدم .. ) )الحديث الذي سبقت الإشارة إليه: وقد عبر فيه صلى الله عليه وسلم بلفظ الاستغاثة كما ترى. وهو بهذا اللفظ في صحيح البخاري وغيره. أفيكون ما يفعلنه يومئذ شركا يفعله المؤمنون؛ ويقره الأنبياء والمرسلون؟ وينبعث لأجل هذا الشرك للشفاعة سيد المرسلين؟ ويجيبه ويشفعه الرب العظيم الذي لا يغفر أن يشرك به؟! ما أظن المنصف إلا يقول معي: إن هذا نوع من أنواع الجنون؛ والجنون كما قيل فنون.
ومن هؤلاء المفتونين من يعتل إذا سمع هذه الأحاديث بأنه لا بأس بذلك؛ فإنه يوم القيامة حي، أما طلب الشفاعة منهم وهم في البرزخ فهو كفر. وربما تسامحوا فقالوا: هو غير مشروع.
فإن كان المصحح لطلبها هو حياة الشفيع؛ فالأنبياء أحياء في قبورهم، وغيرهم من عباد الله المرضيين كما سبق في فصل الكلام على الزيارة. وتقدم لك أثر بلال بن الحارث في ندائه صلى الله عليه وسلم وطلبه منه أن يستسقي لأمته والصحابة متوافرون والتابعون كثير. ولم يزل العلماء يذكرون في مناسكهم عند ذكر زيارته صلى الله عليه وسلم تعليم الزائرين السلام عليه وخطابه وسؤاله الشفاعة به والاستشفاء، ولم يشذ منهم أحد. وقد سمعت قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه للخليفة: وما لك تصرف وجهك عنه؛ وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم؟! بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله فيك. والاستشفاع به