شركا وكفرا ــ كما توهمه هذه الشرذمة ــ لما جاز في حال من الأحوال؛ لا في الحياة الدنيا، ولا في الحياة الأخرى، لا يوم القيامة، ولا قبلها؛ فإن الشرك ممقوت عند الله في كل حال، حتى إن أهله في بعض مواطن القيامة ينكرون حصوله منهم في دار الدنيا، كما حكى الله عنهم في قوله: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين، انظر كيف كذبوا على أنفسهم) ، وإذا دخلوا النار قالوا: (يا ليتنا نرد ولا نكذب بئايات ربنا ونكون من المؤمنين) ، ولا يجيبهم الله إلى طلبهم لما علمه عز وجل منهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه من الإشراك والكفر.
فإذا ثبت التوسل به صلى الله عليه وسلم، والشكوى إليه، والاستغاثة به في الملمات، وطلب الشفاعة منه في حياته الدنيا، دل ذلك على جوازه مطلقا، وعلى أنه لا كفر فيه ولا إشراك به؛ فإن ما هو كفر وشرك لا يختلف باختلاف الأزمان، ولا الشرائع ولا الأحوال، فلو لم يكن إلا هذا الدليل لكفى حجة لا تقبل من المنصف طعنا، فكيف وقد قامت البراهين الساطعة من الكتاب والسنة وإجماع فقهاء الأمة على أن طلب الشفاعة منه، والاستغاثة به، والتوسل به صلى الله عليه وسلم بعد وفاته من الجائز غير الممنوع، بل من الحسن المشروع.
وما دون هذا القدر من البيان يكفي السعيد الموفق إن شاء الله تعالى ــ وأما المحروم المخذول عياذا بالله عز وجل، صريع الهوى، أسير التعصب، فلا يكفيه ما فوق هذا القدر بأضعاف، ولا الأسفار الكبار؛ (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) .