شيئا، فإن من فهم هذا من الحديث الشريف فقد أخطأ الخطأ كله. ويكفى في بيان هذا الخطأ: أن الحديث نفسه إنما هو جواب منه عليه الصلاة والسلام لسؤال ابن عباس، راوي الحديث بعد تشويق رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يسأله فإنه قال له: يا غلام ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن )) ؟ ــ فأي تحريض على السؤال أجمع من هذا؟ ــ قال ابن عباس: بلى. فأجابه عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث الذي منه هذه الجملة.
ولو أن غرا جرى على هذا الوهم ما صح على مقتضاه أن يسأل جاهل عالما ولا واقع في مهلكة غوثا، ممن توقف نجاته على إغاثته. ولا دائن مدينا قضاء ما عليه، ولا مستقرض قرضا، ولما صح للناس يوم القيامة أن يسألوا النبيين الشفاعة، ولا صح لنبي الله عيسى أن يأمرهم بسؤالها سيد المرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام، فإن الدليل على مقتضى هذا الوهم الذي توهموه عام يشمل عدم صحة ما ذكرناه وما لم نذكره فإن قالوا: إن الممنوع إنما هو سؤال الأنبياء والصالحين من أهل القبور ي برازخهم، لأنهم غير قادرين. فقد سبق رد هذا الوهم مبسوطا. وإجماله أنهم أحياء سامعون قادرون على الشفاعة والدعاء، والمنكر لذلك أخف أحواله أنه جاهل بما كان يلحق بالمتواتر من سنته عليه الصلاة والسلام، الدال على أن موتى المؤمنين لهم في حياتهم البرزخية العلم والسماع والرؤية والقدرة على الدعاء وما شاء الله من التصرفات، فما الظن بأكابر أهل البرزخ من النبيين وسائر الصالحين؟ وفي حديث الإسراء والمعراج الصحيح بل المشهور ما فعل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع خيرهم، من الصلاة خلفه والخطب بين يديه والدعاء له في السموات، حتى إن الأمة ما ظفرت بتخفيف خمسين