فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 532

إليه شبهة، وهي أن هذه الكائنات كلها كانت قبل بروزها إلى هذا الوجود الخارجي، قد أحاط بها علم بارئها أتم إحاطة بذواتها. والوجوه الممكنة في تكوينها فاختار لها بسابق لإرادته، حين لا حين ما اقتضته حكمته العليا من الوجوه في وجودها وصفاتها وبقائها وآجالها، وما إلى ذلك مما يتعلق بها، وهذه الإحاطة العلمية، والتحديد الذي خصصته الإرادة، قديم ليس له ابتداء، فإن ذلك من لوازم ذاته التي لها ولكمالاتها وجوب الوجود فلما جاء أوان إبرازها أبرئها سبحانه على النحو الذي اختاره بإرادته اختيارا تابعا لما اقتضته حكمته في سابق علمه. فههنا ثلاثة أمور. تعلقت بالممكنات، أقربها إلى الناظر إبرازها على ما يراها عليه بقدرته عز وجل، وهذا الإبراز حادث لها حين حدثت. والثاني تخصيصها بالوجوه التي هي عليها بإرادة بارئها جل وعلا، وهو قديم بقدم ذاته. والثالث إحاطة العلم بها تفصيلا، وهو قديم أيضا لقدم العلم الألهى، وتبعية التخصيص له إنما هي في تعقل المتعقل لا في الوجود، فإنك لا تعقل التخصيص للأشياء ببعض ما يجوز عليها إلا إذا كانت معلومة. ومثال ذلك في الشاهد: أن من يريد بناء بيت فلا بدأن يعلم أو لا الأنحاء التي يبني عليها، ثم يختار النحو الأوفق ثم ينفذ على ذلك النحو، إلا أن الحادث يحتاج إلى النظر والتأمل. فيكون بين بحثه في الوجوه وعلمه بما هو الأوفق وبين اختياره لذلك الوجه تراخ. أما الواحد الأحد فهو قديم الذات والصفات، تام العلم كامله بحيث لا حاجة فيه إلى تقليب وجوه أو تردد فتعلق علمه بما هو الأوفق، وتعلق إرادته بالتخصيص لا ابتداء لهما، ولا ترتب بينهما في الوجود، بل هما متقارنان بلا ابتداء. وإنما يتأخر الإبراز بالفعل للموعد الذي ضربه بمشيئته على وفق ما علم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت