وكل من هذه الإحاطة العلمية والتخصيص بالإرادة، والإبراز بالقدرة على وفق ذلك، هو الذي يقال له قدر - من قولهم قدرت الشيء إذا أحطت بقدره أو خصصته بقدر مخصوص بإرادتك، أو وضعته على قدر مخصوص على وفق هذه الإرادة، من بابي نصر وضرب - وقدرا أيضا بالتحريك ويسمى ذلك التخصيص قضاء أيضا: فإن الشيء إذا كان تمكن فيه وجوه فاخترت منها وجها فقد قضيت فيه بهذا الوجه، وأبرمت فيه الحكم.
وقد يطلق القضاء على إبراز الفعل محكما، وعلى الإحاطة العلمية بما ينبغي أن يكون عليه الشيء. وبهذا تعلم إن إبراز الممكن بالقدرة على وفق تخصيص الإرادة هو قدر، وتخصيص الإرادة كذلك هو قدر، وإحاطة العلم بذلك قدر أيضا. وهي أمور متلازمة: فإن الشيء يبرز في الخارج على قدر بعد أن يكون قد سبق تخصيصه بالإرادة ولا يخصص بها إلا وقد أحاط به العلم. والكائنات كلها لا تبرز للعيان حتى تتداو لها هذه التعلقات الثلاثة على الترتيب الذي سمعت، فكلها لا محالة بقضاء وقدر. شهدت بذلك أدلة العقل، وصرائح أدلة النقل، من الكتاب والسنة، قال تعالى (إنا كل شيء خلقناه بقدر) وقال جل شأنه (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) وقال (قد جعل الله لكل شيء قدرا) وقد وضع المحدثون: البخاري ومسلم، وإخولتهما، وشيوخهما، في مؤلفاتهم كتابا خاصا للقدر، يذكرون فيه ما صح عنه عليه الصلاة والسلام من الأحاديث في القدر، وهي كثيرة جدا لا يحتمل ذكرها هذا المختصر. ويكفيك هذا الحديث الشريف المتفق على صحته، وهو أن سائلا قال يا رسول الله ما الإيمان؟ قال (( هو ان بالله وملائكته وكبته ورسله واليوم