* عن إسماعيل قال: كل حزن بلاء إلا حزن التائب.
* عن عمرو بن عثمان المكي قال: التوبة فرض على جميع المذنبين والعاصين، صغر الذنب أو كبر, وليس لأحد عذر في ترك التوبة بعد ارتكاب المعصية؛ لأن المعاصي كلها قد توعد الله عليها أهلها, ولا يسقط عنهم الوعيد إلا بالتوبة, وهذا مما يبين أن التوبة فرض.
* سئل محمد بن علي الكتاني عن التوبة؟ فقال: البعد عن المذمومات كلها، إلى الممدوحات كلها، ثم المكابدات، ثم المجاهدات، ثم الثبات، ثم الرشاد, ثم يدرك من الله الولاية, وحسن المعونة.
* سئل أبو العباس بن عطاء عن التوبة؟ فقال: التوبة الرجوع عن كل شيء ذمه العلم إلى ما مدحه العلم.
* عن أيوب الحمال قال: عقدت على نفسي أن لا أمشي غافلًا, ولا أمشي إلا ذاكرًا, فمشيت غفلة, فأخذتني عرجة, فعلمت من أين أتيت, فبكيت واستغثت وتبت، فزالت العلة والعرجة, ورجعت إلى الموضع الذي غفلت فيه, فرجعت إلى الذكر, فمشيت سليمًا.
* قال رجل لأبي الحسن بن بشار: كيف الطريق إلى الله تعالى؟ فقال له: كما عصيت الله سرًا تطيعه سرًا حتى يدخل إلى قلبك طرائف البر.
* عن أبي شميط بن عجلان قال: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه, ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا, فهذا المقرب, ورجل ابتكر عمره بالذنوب, وطول الغفلة, ثم رجع بتوبة, فهذا صاحب يمين, ورجل ابتكر الشر في حداثته, ثم لم يزل فيه حتى خرج من الدنيا, فهذا صاحب شمال.
* عن إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: كان خلف بن هشام يشرب من الشراب على التأويل, فكان ابن أخته يومًا يقرأ عليه سورة الأنفال حتى بلغ) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ( [لأنفال: من الآية37] فقال: يا خال إذا ميز الله الخبيث من الطيب أين يكون الشراب؟ قال: فنكس رأسه طويلًا, ثم قال: مع الخبيث قال: فترضى أن تكون مع أصحاب الخبيث؟ قال: يا بني امض إلى المنزل, فاصبب كل شيء فيه, وتركه فأعقبه الله الصوم, فكان يصوم الدهر إلى أن مات.
* عن خلف بن هشام قال: أعدت صلاة أربعين سنة كنت أتناول فيها الشراب على مذهب الكوفيين.
* عن عبد الله بن رجاء الغداني قال: كان لأبي حنيفة جار بالكوفة اسكاف يعمل نهاره أجمع حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله, وقد حمل لحمًا فطبخه, أو سمكة فيشويها, ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غنى بصوت, وهو يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا…ليوم كريهة وسداد ثغر
فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم, وكان أبو حنيفة يسمع جلبته, وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله, ففقد أبو حنيفة صوته, فسأل عنه, فقيل: أخذه العسس منذ ليال, وهو محبوس, فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد, وركب بغلته, واستأذن على الأمير, قال الأمير: إيذنوا له, واقبلوا به راكبًا, ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط, ففعل, ولم يزل الأمير يوسع له من مجلسه, وقال: ما حاجتك؟ قال: لي جار اسكاف أخذه العسس منذ ليال يأمر الأمير بتخليته, فقال: نعم, وكل من أخذه بتلك الليلة إلى يومنا هذا, فأمر بتخليتهم أجمعين, فركب أبو حنيفة والاسكافي يمشي وراءه, فلما نزل أبوحنيفة مضى إليه فقال: يافتى أضعناك؟ قال: لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرًا عن حرمة الجوار, ورعاية الحق, وتاب الرجل, ولم يعد إلى ما كان.
* عن سليمان عن الحسن: في الرجل يكون في يده مال من خيانة يستحي أن يرده على أصحابه، قال: لا بأس أن يوصله إلى ما لهم من حيث لا يعلمون.
* عن جعفر الخلدي قال: سألت خير النساج، أكان النسج حرفتك؟ قال: لا, قلت: فمن أين سميت به؟ قال: كنت عاهدت الله تعالى أن لا آكل الرطب أبدًا, فغلبتني نفسي يومًا, فأخذت نصف رطل, فلما أكلت واحدة إذا رجل نظر إليّ وقال: خير يا آبق، هربت مني, وكان له غلام هرب اسمه خير, فوقع عليَّ شبهه وصورته, فاجتمع الناس, فقالوا: هذا والله غلامك خير, فبقيت متحيرًا, وعلمت بما أُخِذْتُ, وعرفت جنايتي, فحملني إلى حانوته الذي كان ينسج فيه غلمانه, فقالوا: يا عبد السوء تهرب من مولاك, ادخل فاعمل عملك الذي كنت تعمل, وأمرني بنسج الكرباس, فدليت رجلي على أن أعمل, وأخذت بيدي آلته, فكأني كنت أعمل من سنين, فبقيت معه أشهرًا أنسج له, فقمت ليلة, فتمسحت, وقمت إلى صلاة الغداة فسجدت, وقلت في سجودي: إلهي لا أعود إلى ما فعلت, فأصبحت, وإذا الشبه ذهب عني, وعدت إلى صورتي التي كنت عليها, فأطلقت فثبت علي هذا الاسم, فكان سبب النسج إتياني شهوة عاهدت الله أن لا آكلها, فعاقبني الله بما سمعت.
* كان - يعني ابن عياض - الفضيل يقطع الطريق وحده قال: فخرج ذات ليلة ليقطع الطريق فإذا هو بقافلة قد انتهت إليه ليلًا, فقال بعضهم لبعض: اعدلوا بنا إلى هذه القرية؛ فإن أمامنا رجلًا يقطع الطريق يقال له: الفضيل, قال: فسمع الفضيل فأرعد, فقال: يا قوم أنا الفضيل, جوزوا والله لأجتهدن أن لا أعصى الله أبدًا, فرجع, فترك ما كان عليه.
* قال أبو موسى العباسي: .. بينا جدي بذات عرق إذ أتاه عيسى الجلودي بمن معه، فانحدر إلى مكة محاربًا لمحمد بن جعفر .. ثم أخذ محمد بن جعفر فقال: قد كنت قد حدثت الناس بروايات لتفسد عليهم دينهم فقم فأكذب نفسك، وأصعده المنبر والبسه دراعة سوداء. فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني قد حدثتكم بأحاديث زورتها! فشق الناس الكتب والسماع الذي كانوا سمعوه منه. ثم نزل عن المنبر فأحسن جدي رفده و أطلقه إلى المدينة. فخرج من المدينة إلى المأمون بخراسان.
* عن أحمد بن حنبل قال: بلغني أنه - أي إسماعيل بن إبراهيم - أدخل على محمد بن هارون, ثم قال لي: ابن هارون, قلت: نعم أعرفه, قال: فلما رآه زحف إليه, وجعل محمد يقول له: يا ابن .. يا ابن .. تتكلم في القرآن!! قال: وجعل إسماعيل يقول له: جعله الله فداه, زلة من عالم, جعله الله فداه, زلة من عالم, ردده أبو عبد الله غير مرة, وفخم كلامه، كأنه يحكي إسماعيل, ثم قال لي أبو عبد الله: لعل الله أن يغفر له بها - يعني محمد بن هارون - ثم ردد الكلام, وقال: لعل الله أن يغفر له؛ لإنكاره على إسماعيل.
* عن أبي سلمة الغنوي قال: قلت لأبي العتاهية: ما الذي صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد؟ قال: إذًا والله أخبرك أنى لما قلت:
الله بيني وبين مولاتي…أهدت لي الصد والملالات
منحتها مهجتي وخالصتي…فكان هجرانها مكافاتي
هيمنى حبُّها وصيرني…أُحدوثة في جميع جاراتي
رأيت في المنام في تلك الليلة كأن آتيًا أتاني فقال: ما أصبت أحدًا تدخله بينك وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله تعالى؟! فانتبهت مذعورًا, وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل.
* عن إبراهيم بن شيبان قال: كان عندنا شاب عَبدَ الله عشرين سنة, فأتاه الشيطان, فقال له: يا هذا أعجلت في التوبة والعبادة, وتركت لذات الدنيا, فلو رجعت فإن التوبة بين يديك, قال: فرجع إلى ما كان عليه من لذات الدنيا, قال: فكان يومًا في منزله قاعدًا في خلوة, فذكر أيامه مع الله, فحزن عليها, وقال: أترى إن رجعت يقبلني؟! قال: فنودي: يا هذا عبدتنا فشكرناك, وعصيتنا فأمهلناك, وإن رجعت إلينا قبلناك.
* عن محمد بن نافع قال: كان أبو نواس لي صديقًا فوقعت بيني وبينه هجرة في آخر عمره, ثم بلغني وفاته, فتضاعف علي الحزن, فبينا أنا بين النائم واليقظان إذا أنا به, فقلت: أبا نواس؟ قال: لا حين كنية, قلت: الحسن بن هانئ؟ قال: نعم, قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها هي تحت ثني الوسادة, فأتيت أهله, فلما أحسوا بي أجهشوا بالبكاء, فقلت لهم: هل قال أخي شعرًا قبل موته؟ قالوا: لا نعلم إلا أنه دعا بدواة وقرطاس, وكتب شيئًا لا ندري ما هو؟! فقلت: أتأذنوا لي, فأدخل, قال: فدخلت إلى مرقده, فإذا ثيابه لم تحرك بعد, فرفعت وسادة, فلم أر شيئًا فرفعت أخرى, فإذا برقعة فيها مكتوب:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة…فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن…فمن الذي يدعو ويرجو المجرم
أدعوك رب كما أمرت تضرعا…فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلة إلا الرجا…وجميل عفوك ثم إني مسلم
* عن عباس الدوري قال: جاءني غلام نصف النهار, وبين يدي نبيذ, وأنا قاعد, فقال لي: يا أبا الفضل أيش تقول في النبيذ؟ قال: قلت: حلال, فقال: أيما خير قليله أو كثيره, قال: قلت: قليله, فقال لي: يا شيخ إن حلالًا يكون قليله خيرًا من كثيره إن ذلك لحرام, وجذب الحلقة في وجهي, ففتحت الباب واطلعت فلم أر أحدًا, فتركت النبيذ من ذلك الوقت.