* عن الأنصاري قال: ما أتيت سلطانًا قط إلا أنا كاره.
* قال الأزهري: يذكر أن بعض الوزراء دخل بغداد ففرق مالًا كثيرًا على أهل العلم وكان بن رزقويه ممن وجه إليه من ذلك المال فقبلوا كلهم سواه فإنه رده تورعًا وظلف نفس.
* جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربي بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد يسأله عن أمر أمير المؤمنين تفرقة ذلك فرده, فانصرف الرسول ثم عاد فقال: إن أمير المؤمنين يسألك أن تفرقه في جيرانك, فقال: عافاك الله هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه, فلا نشغلها بتفرقته, قل لأمير المؤمنين: إن تركتنا, وإلا تحولنا من جوارك.
* قدم محمد بن قحطبة الكوفي فقال: أحتاج إلى مؤدب يؤدب الأولاد حافظ لكتاب الله, عالم بسنة رسول الله, وبالآثار والفقه والنحو والشعر وأيام الناس, فقيل له: ما يجمع هذه الأشياء إلا داود الطائي, وكان محمد بن قحطبة بن عم داود, فأرسل إليه يعرض ذلك عليه, ويسني له الأرزاق والفائدة, فأبى داود ذلك, فأرسل إليه بدرة عشرة آلاف درهم, وقال له: استعن بها على دهرك, فردها, فوجه إليه بدرتين مع غلامين له مملوكين, وقال لهما: إن قبل البدرتين فأنتما حران, فمضيا بهما إليه, فأبى أن يقبلهما, فقالا له: إن في قبولهما عتق رقابنا, فقال لهما: إني أخاف أن يكون في قبولهما وهَق رقبتي في النار, رداها إليه, وقولا له: يرده على من أخذهما منه أولى من أن يعطيني أنا.
* قدم هارون الكوفة, فكتب قومًا من القراء, وأمر لهم بألفين ألفين, فكان داود الطائي ممن كتب فيهم, ودعي باسمه أين داود؟ قالوا: داود يجيكم أرسلوها إليه! قال ابن السماك, وحماد بن أبي حنيفة: نحن نذهب بها إليه، قال ابن السماك لحماد في الطريق: إذا نحن أدخلناها عليه, فانثرها بين يديه, فإن للعين حظها, رجل ليس عنده شيء يؤمر له بألفي درهم يردها, فلما دخلوا عليه نثروها بين يديه, فقال: شوه, إنما يفعل هذا بالصبيان, وأبى أن يقبلها.
* لما قدم ربيعة بن أبي عبد الرحمن على أمير المؤمنين أبي العباس أمر له بجائزة, فأبى أن يقبلها, فأعطاه خمسة آلاف درهم يشتري بها جارية حين أبى أن يقبلها, فأبى أن يقبلها.
* عن جحظة قال: كنت بحضرة الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر, فاستؤذن عليه للزبير بن بكار حين قدم من الحجاز, فلما دخل عليه أكرمه, وعظمه, وقال له: لئن باعدت بيننا الأنساب لقد قربت بيننا الآداب, وإن أمير المؤمنين ذكرك, فاختارك لتأديب ولده, وأمر لك بعشرة آلاف درهم, وعشرة تخوت من الثياب, وعشرة أبغل تحمل عليها رحلك إلى حضرته بسر من رأى, فشكره على ذلك, وقبله فلما أراد توادعه قال له: أيها الشيخ تزودنا حديثا نذكرك به, فقال: أحدثك بما سمعت, أو بما شاهدت؟ قال: بل بما شاهدت, فقال: بينا أنا في مسيري هذا بين المسجدين إذ بصرت بحبالة منصوبة فيها ظبي ميت, وبازائها رجل على نعش ميت, ورأيت امرأة حَرَّى تنعي, وهي تقول:
يا خشف لو بطل لكنه أجل على الاثاية ما أودى بك البطل
يا خشف قلقل أحشائي وأزعجها وذاكيا خشف عندي كله جلل
أمست فتاة بني نهد علانية وبعلها في أكف القوم يبتذل
قد كنت راغبة فيه أضن به فحال من دون ضن الرغبة الأجل
قال: فلما خرج من حضرته, قال لنا محمد بن عبد الله بن طاهر: أي شيء أفدنا من الشيخ؟ قلنا له: الأمير أعلم, فقال قوله: أمست فتاة بني نهد علانية, أي ظاهرة, وهذا حرف لم أسمعه في كلام العرب قبل هذا.
* ولد لأبي دلامة ابنة, فغدا على أبي جعفر المنصور فقال له: يا أمير المؤمنين إنه ولد لي الليلة ابنة, قال: فما سميتها؟ قال: أم دلامة, قال: وأي شيء تريد؟ قال: أريد أن يعينني عليها أمير المؤمنين, ثم أنشده:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم، لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم ... إلى السماء، فأنتم أكرم الناس
قال: فهل قلت فيها شيئًا؟ قال: نعم, قلت:
فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمك أم سوء ... إلى لباتها وأب لئيم
قال: فضحك أبو جعفر, ثم أخرج أبو دلامة خريطة من خرق, فقال: ما هذه؟ قال: يا أمير المؤمنين اجعل فيها ما تحبوني به, قال: املؤوها له دراهم, فوسعت ألفي درهم.
* سئل وكيعًا عن مقدمه هو وابن إدريس وحفص على هارون الرشيد فقال لي: ما سألني عن هذا أحد قبلك, قدمنا على هارون أنا, وعبد الله بن إدريس, وحفص بن غياث, فأقعدنا بين السريرين, فكان أول ما دعا به أنا, فقال لي هارون: يا وكيع, قلت: لبيك يا أمير المؤمنين, قال: إن أهل بلدك طلبوا مني قاضيًا, وسموك لي, فيمن سموا, وقد رأيت أن أشركك في أمانتي, وصالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة, فخذ عهدك, وامض, فقلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير, وإحدى عيني ذاهبة, والأخرى ضعيفة, فقال هارون: اللهم غفرًا خذ عهدك أيها الرجل, وامض, فقلت: يا أمير المؤمنين, والله لئن كنت صادقًا إنه لينبغي أن تقبل مني, ولئن كنت كاذبًا فما ينبغي أن تولي القضاء كذابًا, فقال: اخرج, فخرجت, ودخل ابن إدريس, وكان هارون قد وسم له من ابن إدريس وسم - يعنى خشونة جانبه - فدخل, فسمعنا صوت ركبتيه على الأرض حين برك, وما سمعناه يسلم إلا سلامًا خفيًا, فقال له هارون: أتدري لِمَ دعوتك؟ قال: لا, قال: إن أهل بلدك طلبوا مني قاضيًا, وإنهم سموك لي فيمن سموا, وقد رأيت أن أشركك في أمانتي, وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة, فخذ عهدك, وامض, فقال له: ابن إدريس ليس أصلح للقضاء, فنكت هارون بأصبعه, وقال له: وددت أني لم أكن رأيتك, قال: ابن إدريس, وأنا وددت أني لم أكن رأيتك, فخرج, ثم دخل حفص بن غياث, فقال له: كما قال لنا, فقبل عهده, وخرج, فأتانا خادم معه ثلاثة أكياس في كل كيس خمسة آلاف, فقال لي: إن أمير المؤمنين يقرئكم السلام, ويقول لكم قد لزمتكم في شخوصكم مؤونة, فاستعينوا بهذه في سفركم, قال وكيع: فقلت له: أقرئ أمير المؤمنين السلام, وقل له: وقعت مني بحيث يحب أمير المؤمنين, وأنا عنها مستغن, وفي رعية أمير المؤمنين من هو أحوج إليها مني, فإن رأى أمير المؤمنين أن يصرفها إلى من أحب, وأما ابن إدريس, فصاح به: مر من هاهنا, وقبلها حفص, وخرجت الرقعة إلى ابن إدريس من بيننا عافانا الله وإياك: سألناك أن تدخل في أعمالنا, فلم تفعل, ووصلناك من أموالنا فلم تقبل, فإذا جاءك ابني المأمون, فحدثه إن شاء الله, فقال للرسول: إذا جاءنا مع الجماعة حدثناه إن شاء الله, ثم مضينا, فلما صرنا إلى الياسرية حضرت الصلاة, فنزلنا نتوضأ للصلاة قال وكيع: فنظرت إلى شرطي محموم نائم في الشمس عليه سواده, فطرحت كسائي عليه, وقلت يدفأ إلى أن أتوضأ, فجاء ابن إدريس فاستلبه, ثم قال لي: رحمته لا رحمك الله، في الدنيا أحد يرحم مثل ذا؟! ثم التفت إلى حفص, فقال له: يا حفص قد علمت حين دخلت إلى سوق أسد, فخضبت لحيتك, ودخلت الحمام أنك ستلي القضاء, لا والله لا كلمتك حتى تموت, قال: فما كلمه حتى مات.
* بعث أبو عبد الله إلى عبد الله بن مصعب في أول ما صاحب أمير المؤمنين المهدي بألفي دينار, فردها, وكتب إليه أني لا أقبل صلة إلا من خليفة, أو ولي عهد.
* لما أصاب أبو الحسن الكرخي الفالج في آخر عمره حضرته, وحضر أصحابه أبو بكر الدامغاني, وأبو علي الشاشي, وأبو عبد الله البصري فقالوا: هذا مرض يحتاج إلى نفقة وعلاج, وهو مقل, ولا نحب أن نبذله للناس, فيجب أن نكتب إلى سيف الدولة, ونطلب منه ما ينفق عليه, ففعلوا ذلك, وأحس أبو الحسن بما هم فيه, فسأل عن ذلك, فأخبر به فبكى, وقال: اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني, فمات قبل أن يحمل سيف الدولة إليه شيئًا, ثم ورد كتاب سيف الدولة, ومعه عشرة آلاف درهم, ووعد أن يمد بأمثاله, فتصدق به عنه.
* ركب الأصمعي حمارًا دميمًا فقيل له: أبعد براذين الخلفاء تركب هذا؟ فقال متمثلًا:
ولما أبت إلا طرافًا بودها وتكديرها الشرب الذي كان صافيا
شربنا برنق من هواها مكدر وليس يعاف الرنق من كان صاديا
هذا - وأملك ديني ونفسي - أحب إلي من ذلك مع ذهابهما.
* كان أبو جعفر الرازي صديقًا لسفيان الثوري, وكان له معه بضاعة, وكان يكثر الحج, فكان إذا قدم الكوفة تلقاه سفيان إلى القنطرة, وإذا خرج إلى مكة شيعه إلى النجف, فقدم سنة من السنين مدينة السلام, فاجتمع إليه الأضراء, فقالوا: يا أبا جعفر تكلم لنا أمير المؤمنين, فإنه قد ولى علينا رجلًا يقتطع أرزاقنا, ويسيء فيما بيننا وبينه, فلم يجبهم إلى شيء, فبلغ ذلك سفيان, فتلقاه أسفل القنطرة, وشيعه حتى جاوز النجف, وزاده في البر, فلما كان في العام المقبل قدم أبو جعفر, وهو يريد الحج, فاجتمع إليه الأضراء, فكلموه بما كلموه به في العام الماضي, فرق لهم, فأتى باب الذهب, فقال للحاجب: استأذن لي على أمير المؤمنين, وأخبره أن بالباب أبا جعفر الرازي, فأسرع الرسول أن أدخل, فدخل على المنصور, فأكرمه بغاية الكرامة, وجعل يسأله عن أحواله, وسأله هل له حاجة؟ فقال: نعم, فقص عليه قصة الأضراء, فقال: يعزل عنهم كاتبهم ويولى عليهم من أحبوا, ونأمر لأبي جعفر بعشرة آلاف لسؤاله إيانا هذه الحاجة, فلما صارت الدراهم بيده سقط في يديه, وعلم أنه قد أخطأ فجلس بسور القصر, ثم دعا بخرق, فجعلها صررًا, ففرقها على قوم, وقام فنفض ثوبه, وليس معه منها شيء, فبلغ ذلك سفيان الثوري, فلما دخل أبو جعفر الرازي الكوفة توارى سفيان, فطلبه فلم يقدر عليه, وسأل عنه فلم يدل عليه, فامتعض له بعض إخوان سفيان, فقال: ألك إليه حاجة؟ فقال: نعم, فقال: اكتب كتابًا, وادفعه إليَّ أوصله لك إليه, فكتب كتابًا, ودفعه إليه, قال: فصرت بالكتاب إلى سفيان, فإذا أنا به في غرفة, وإذا هو مستلق على قفاه قد وضع رجله على الأخرى مستقبل القبلة, فسلمت عليه, وأظهرت الكتاب, فقال لي: مه؟ فقلت: كتاب أبي جعفر الرازي, فقال: اقرأه فقرأته, فقال لي: اكتب جوابه في ظهره, فكتبت. قلت له: ماذا أكتب؟ قال: اكتب) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُد ( [المائدة: من الآية78] الآية، أردد إلينا بضاعتنا لا حاجة لنا في أرباحها, قال: فأتيته بالكتاب, والناس إذ ذاك متوافرون بالكوفة, فنظروا في الكتاب, وأجمع رأيهم على أنهم يوجهون بالكتابين إلى ابن أبي ليلى, ولا يعلمونه ممن الكتاب, ولا من صاحب الجواب ليعرفوا ما عنده من الرأي, فوجهوا بالكتابين, فنظر فيهما فقال: أما الأول: فكتاب رجل مداهن, وأما الجواب: فكتاب رجل يريد الله بفعله.
* عن محمد بن عمر قال: لما ولي جعفر بن سليمان على المدينة المرة الأولى؛ أرسل إلى ابن أبى ذئب بمائة دينار، فاشترى منها ساجًا كرديًا بعشرة دنانير، فلبسه عمره، ثم لبسه ولده بعد ثلاثين سنة، وكانت حاله ضعيفة جدًا, فأرسل إليه, فقدم به عليهم بغداد، فلم يزالوا به حتى قبل منهم, فأعطوه ألف دينار، فلم يقبل، فقالوا: خذها وفرقها فيمن رأيته, فأخذها, فانصرف يريد المدينة، فلما كان بالكوفة اشتكى ومات, فدفن بالكوفة.
* عن هارون بن عبد الله قال: كتب الواقدي رقعة إلى المأمون، يذكر فيها غلبة الدَين وغمّة ذلك، فوقع المأمون على ظهرها: فيك خلتان السخاء والحياء, فأما السخاء فهو الذي أطلق ما ملكت، وأما الحياء فهو الذي منعك من إطلاعنا ما أنت عليه، وقد أمرنا بكذا وكذا؛ فان كنا أصبنا إرادتك في بسط يدك, فإن خزائن الله مفتوحة, وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد عن محمد بن إسحاق عن الزهرى عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال للزبير: «يا زبير إن باب الرزق مفتوح بباب العرش؟ ينزل الله على العباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم, فمن قلل قلل له، ومن كثر كثر له» قال الواقدي: وكنت قد أنسيت هذا الحديث, فكان تذكرته إياي أحب إلي من جائزته.
* قال خارجة بن مصعب: أجاز المنصور أبا حنيفة بعشرة آلاف درهم, فدعي ليقبضها, فشاورني, وقال: هذا رجل أن رددتها عليه غضب, وإن قبضتها دخل علي في ديني ما أكرهه, فقلت: إن هذا المال عظيم في عينه, فإذا دعيت لتقبضها, فقل لم يكن هذا أملي من أمير المؤمنين, فدعي ليقبضها, فقال ذلك, فرفع إليه خبره, فحبس الجائزة، قال: فكان أبو حنيفة لا يكاد يشاور في أمره غيري.
* قال عبد السلام بن حرب: قدم أبو جعفر المنصور البصرة، فنزل عند الجسر الأكبر، فبعث إلى عمرو بن عبيد، فجاءه، فأمر له بمال، فأبى أن يقبله، فقال المنصور: والله لتقبلنه، فقال: لا والله لا أقبله، فقال له المهدي: يحلف عليك أمير المؤمنين لتقبلنه فتحلف أن لا تقبله؟! فقال: أمير المؤمنين أقوى على كفارة اليمين من عمك. فقال له المنصور: يا أبا عثمان سل حاجتك، فقال: أسألك أن لا تدعوني حتى آتيك، ولا تعطيني حتى أسألك، قال: يا أبا عثمان علمت أني جعلت هذا ولى عهد؟ قال: يا أمير المؤمنين يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول. قال: يا أبا عثمان ذكرنا، قال أذكرك ليلة تمخض عن صبيحة يوم القيامة.
* قال الفسطاطي: كان أبو عبيد مع بن طاهر فوجه إليه أبو دلف يستهديه أبا عبيدة مدة شهرين، فانفذ أبا عبيد إليه فأقام شهرين، فلما أراد الانصراف وصله بثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها، وقال: أنا في جنبة رجل ما يحوجني إلى صلة غيره، ولا أخذ ما فيه عليّ نقص، فلما عاد إلى طاهر وصله بثلاثين ألف دينار بدل ما وصله أبو دلف، فقال له: أيها الأمير قد قبلتها، ولكن قد أغنيتي بمعروفك وبرك وكفايتك عنها، وقد رأيت أن اشترى بها سلاحًا وخيلًا وأتوجه بها إلى الثغر ليكون الثواب متوفرًا على الأمير ففعل.